تدخل القضية الفلسطينية مرحلة سياسية بالغة الحساسية مع عودة القاهرة إلى واجهة المشهد من خلال تحرك مكثف لإطلاق حوار وطني فلسطيني في ظل اتصالات بين مختلف القوى والفصائل وبالتزامن مع استحقاقات سياسية وانتخابية تتصل بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني ومؤسساته.
وما يجري في القاهرة لا ينبغي قراءته باعتباره مجرد جولة جديدة من جولات المصالحة التقليدية بين حركتي فتح وحماس لأن طبيعة الملفات المطروحة والتوقيت الذي تجري فيه الاتصالات يشيران إلى أن النقاش يتجاوز مسألة إنهاء الانقسام إلى سؤال أكبر يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني ومنظمة التحرير والمجلس الوطني والانتخابات ومستقبل إدارة قطاع غزة وشكل العلاقة بين الضفة والقطاع.
من الاتصالات إلى الحوار الوطني
واللافت في تطورات الساعات الأخيرة أن المشاورات انتقلت خطوة إلى الأمام حيث عقدت في القاهرة لقاءات تشاورية جمعت فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية في إطار التحضير لحوار وطني شامل برعاية مصرية واتفق المشاركون على استكمال اللقاءات خلال الأسبوع المقبل بهدف الاتفاق على موعد وترتيبات الحوار الفلسطيني الموسع.
ووصف أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب اللقاءات بأنها جرت في أجواء إيجابية لكنه أقر في الوقت نفسه بأن الخلافات لم تُحسم وأن التفاهم على استراتيجية وطنية موحدة لم يتحقق بعد وهنا تكمن أهمية ما يجري فالمسألة لم تعد مجرد لقاءات لاستطلاع المواقف وإنما أصبحت محاولة لتهيئة الأرضية أمام حوار استراتيجي فلسطيني شامل.
لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرته على تجاوز منطق التفاهمات الثنائية والوصول إلى صيغة تشارك فيها مختلف القوى الفلسطينية لأن إنهاء الانقسام لا يمكن أن يكون مجرد اتفاق بين طرفين على إدارة الانقسام أو إعادة توزيع النفوذ.
الانتخابات ليست القضية الوحيدة
من أبرز الملفات التي ستفرض نفسها على الحوار الانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني المقبل.
وقد أصبح مصير هذه الانتخابات أكثر ارتباطاً بمخرجات حوار القاهرة في ظل حديث فلسطيني عن إمكانية تأجيلها وطرح الأمر على مؤسسات منظمة التحرير بسبب الظروف السياسية والميدانية وعدم اكتمال شروط إجرائها في مختلف الساحات الفلسطينية، لكن اختزال الحوار الفلسطيني في مسألة الانتخابات التشريعية سيكون خطأً سياسياً لأن السؤال الأهم يتصل بـ المجلس الوطني ومنظمة التحرير الفلسطينية باعتبارهما الإطار الذي يفترض أن يمثل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات.
ومن هنا فإن الانتخابات ينبغي ألا تتحول إلى غاية بحد ذاتها ولا إلى أداة لإعادة إنتاج واقع سياسي قائم بل يجب أن تكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات الفلسطينية على قاعدة الشراكة والتمثيل الديمقراطي.
منظمة التحرير والمجلس الوطني.. جوهر المسألة
إن إعادة بناء منظمة التحرير ليست ملفاً ثانوياً يمكن تأجيله إلى ما بعد الانتخابات بل هي في جوهر الأزمة السياسية الفلسطينية فالشعب الفلسطيني ليس محصوراً بالضفة الغربية وقطاع غزة وإنما هو شعب منتشر في فلسطين التاريخية وفي مخيمات اللجوء والشتات. ومن هنا فإن أي صيغة جديدة للنظام السياسي يجب أن تعالج السؤال المركزي: كيف يصبح المجلس الوطني ممثلاً حقيقياً لكل الشعب الفلسطيني.. وكيف يعاد تفعيل منظمة التحرير على قاعدة الشراكة الوطنية؟
فالمطلوب ليس إلغاء منظمة التحرير أو تجاوزها وإنما إعادة بنائها وتفعيل مؤسساتها وتوسيع قاعدة المشاركة فيها بحيث تصبح فعلاً إطاراً جامعاً لكل القوى والتيارات والشخصيات الوطنية. وهذا يتطلب رفض منطق الإقصاء والاستئثار والتفرد أياً كان مصدره.
غزة في قلب الحوار
لا يمكن فصل حوار القاهرة عن مستقبل قطاع غزة خصوصاً أن الترتيبات المتعلقة بالقطاع ما زالت تواجه ملفات معقدة تتصل بالإدارة وإعادة الإعمار والانسحاب الإسرائيلي والسلاح والعلاقة مع السلطة الفلسطينية. و هنا يجب أن يكون الموقف الفلسطيني واضحاً: غزة ليست ملفاً أمنياً منفصلاً عن القضية الفلسطينية، وليست كياناً سياسياً مستقلاً عن الضفة والقدس والشتات.
ومن ثم فإن أي ترتيبات تخص مستقبل القطاع يجب أن تكون جزءاً من رؤية وطنية فلسطينية شاملة، وألا تتحول إلى مدخل لتكريس الفصل السياسي والجغرافي بين غزة والضفة.
كما أن الحديث عن سلطة واحدة وقانون واحد وسلاح شرعي واحد الذي طرحه الرجوب في سياق الحديث عن الحوار المقبل يكشف أن ملف إدارة غزة وشكل النظام السياسي والأمني سيكون من الملفات الأكثر حساسية على طاولة الحوار.
وهنا لا بد من القول إن معالجة هذه الملفات تحتاج إلى حوار وطني حقيقي ومتدرج وليس إلى فرض معادلات مسبقة قبل التوافق الفلسطيني عليها.
مصر ودورها في الحوار
الدور المصري في هذه المرحلة يكتسب أهمية خاصة بحكم علاقات القاهرة بمختلف الأطراف الفلسطينية ودورها التاريخي في رعاية مسارات الحوار والمصالحة.
ومن المهم أن يظل الدور المصري داعماً وميسراً للتوافق الفلسطيني وأن تبقى المرجعية والقرار النهائيان فلسطينيين
فالقاهرة تستطيع أن توفر المناخ السياسي وتجمع الأطراف وتقرّب وجهات النظر لكن الفلسطينيين هم أصحاب المصلحة المباشرة وهم المعنيون بإنتاج التفاهمات التي تحدد مستقبل نظامهم السياسي.
لا لتقاسم السلطة.. نعم لإعادة بناء البيت الوطني
لقد أثبتت التجارب السابقة أن المصالحة التي تقوم على التفاهمات الثنائية وتقاسم النفوذ لم تنهِ الانقسام بصورة مستدامة. المطلوب اليوم ليس اتفاقاً جديداً لتقاسم السلطة وإنما اتفاق وطني على قواعد بناء النظام السياسي الفلسطيني نفسه.
أي: إنهاء الانقسام على قاعدة الشراكة لا المحاصصة ورفض الإقصاء والاستئثار والتفرد وإعادة بناء وتفعيل منظمة التحرير، وانتخاب مجلس وطني يمثل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، كذلك ضمان مشاركة جميع القوى والتيارات الفلسطينية والحفاظ على وحدة الضفة وغزة سياسياً وجغرافياً ووطنياً، وجعل الانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية لا أداة لإقصاء أي مكوّن فلسطيني.
أمام الحوار فرصة ومسؤولية
إن اجتماع فتح وحماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية في القاهرة والاتفاق على استكمال المشاورات يمثلان تطوراً مهماً في مسار الحوار لكنهما لا يعنيان أن الخلافات قد انتهت أو أن الاتفاق النهائي أصبح قريباً. فحتى الآن ما زالت هناك قضايا جوهرية تحتاج إلى نقاش وفي مقدمتها الاستراتيجية الوطنية والانتخابات ومنظمة التحرير والمجلس الوطني وإدارة غزة وشكل النظام السياسي المقبل. ولهذا فإن المطلوب من القوى الفلسطينية ألا تدخل الحوار بعقلية البحث عن الحصص والمواقع وإنما بعقلية إعادة بناء البيت الوطني الفلسطيني.
فالمرحلة الحالية لا تحتمل إعادة إنتاج التجارب السابقة ولا تحتمل مصالحة شكلية تعالج مظاهر الانقسام وتترك جذوره قائمة.
بالمحصلة: إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يحكم حوار القاهرة ليس: من سيحصل على الحصة الأكبر في النظام السياسي المقبل؟
بل: كيف نعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني بحيث يمثل كل شعبنا في الوطن والشتات ويحافظ على وحدة القضية والحقوق والثوابت؟
إن نجاح حوار القاهرة لا ينبغي أن يقاس بعدد البيانات التي تصدر عنه ولا بصورة لقاء يجمع طرفين أو أربعة أطراف وإنما بقدرته على فتح الطريق أمام شراكة وطنية حقيقية ومنظمة تحرير جامعة ومجلس وطني يمثل الشعب الفلسطيني ونظام سياسي يضع حداً للاستئثار والإقصاء والانقسام.
فلسطين بحاجة اليوم إلى إعادة بناء البيت الوطني لا إلى إعادة ترتيب الغرف داخله.
* باحث وكاتب سياسي فلسطين.
الخميس 8 تشرين الاول 2026