بعد ثلاث سنوات على عملية «طوفان الأقصى» في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، لا تزال "إسرائيل" عالقة في صباح اليوم الأول. فالحرب التي شنّها العدو مذّاك، وما فتحَ من جبهات وما أحدث من تحوّلات في الإقليم، لم ينجح في إغلاق الملف الذي فُتح عند الساعة 06:29 من صباح ذلك اليوم، ومن بين عناوينه: كيف انهارت المنظومة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية؟ ومَن يتحمّل مسؤولية الإخفاق؟ ولماذا لا تزال القيادة السياسية تتهرّب من تشكيل لجنة تحقيق رسمية تحدّد المسؤوليات؟
طغت هذه الأسئلة على الذكرى الثالثة في "إسرائيل"، وحوّلت مراسمها إلى ساحة صراع بين الأطراف المتنافسين في الانتخابات. وفيما حاول رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، وضع ما تصفه حكومته بـ«إنجازات» الحرب في الواجهة، اختار جيش الاحتلال خطاباً أكثر حذراً، فأقرّ بالفشل صراحة، ورفض اعتبار ما تحقّق لاحقاً كافياً لمحو مسؤوليته. أمّا عائلات الأسرى والقتلى، والمعارضة، فأعادت النقاش إلى أصل الأزمة، أي مَن يتحمّل مسؤولية الفشل في السابع من أكتوبر؟ ولماذا لم تبدأ المحاسبة حتى الآن؟
واختصر مشهدٌ تخلّل مراسمَ «جبل هرتسل» هذا الانقسام؛ إذ قاطع يعقوب غودو، والد توم غودو الذي قُتل في صبيحة السابع من أكتوبر، كلمة نتنياهو صارخاً: «لم تحمِ ابني في 7 أكتوبر». وجاء ذلك في وقت حاول فيه رئيس الحكومة نقل النقاش من الإخفاق الذي وقع في عهده، إلى ما فعله عسكرياً بعده، مركّزاً على ملاحقة المشاركين في الهجوم، ومتوعّداً بأن كلّ من شارك في أسر إسرائيليين «يعيش وقتاً مستعاراً».
وتسعى حكومة نتنياهو إلى إسناد هذه الرواية بحصيلة أمنية تقدّمها بوصفها دليلاً على استعادة الردع؛ إذ أفادت «القناة 12»، استناداً إلى أرقام عُرضت أمام «الكابينت»، بأن قوات الاحتلال قتلت نحو أربعة آلاف من أصل قرابة ستة آلاف فلسطيني شاركوا في هجوم السابع من أكتوبر، فيما لا يزال نحو ألفين منهم أهدافاً للملاحقة.
لكن جيش الاحتلال نفسه بدا أقلّ استعداداً للمضيّ في هذا الاتجاه؛ ففي أمر اليوم الخاص بالذكرى، كتب رئيس الأركان، إيال زامير أن «الجيش الإسرائيلي فشل في مهمته العليا: حماية مواطني دولة إسرائيل»، مشدّداً على «ضرورة التحقيق في ما جرى وضمان تطبيق الدروس». كما كان زامير أكثر وضوحاً خلال اجتماع هيئة الأركان في زيكيم في غلاف غزة، حين أكد أن «الإنجازات التي غيّرت الواقع لا تمحو فشل السابع من أكتوبر ولا تنتقص من مسؤوليتنا عنه».
بعد ثلاث سنوات، بقي الانقسام الإسرائيلي على المسؤولية والتحقيق
أعمق من أن تطمره نتائج الحرب
وتزداد وطأة اعترافات جيش الاحتلال في ظلّ مؤشرات إلى أن بعض دروس السابع من أكتوبر لم تُترجم حتى الآن إلى إصلاحات مكتملة في المؤسسة الأمنية. إذ كشفت صحيفة «يسرائيل هيوم» أن الجيش والشرطة لا يزالان، بعد ثلاث سنوات، يعانيان مشكلة في الاتصال العملياتي المباشر في حالات الطوارئ، وذلك رغم أن غياب التنسيق بين الأجهزة كان من أبرز مظاهر الفوضى خلال الساعات الأولى للهجوم. لكن تبقى العقدة الأشدّ حساسية، سياسية؛ فبعد ثلاث سنوات، لم تُشكَّل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، فيما أظهر استطلاع نشرته «القناة 12»، قبل يومين فقط، أن غالبية الإسرائيليين تؤيد تشكيلها، وأن غالبية أيضاً ترى أن «لنتنياهو مسؤولية كبيرة عن إخفاق السابع من أكتوبر».
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية في إسرائيل، يتحوّل ملف التحقيق تدريجياً إلى ملف انتخابي. ففي مناظرة على موقع «واينت»، تعهّدت الوزيرة السابقة، ميراف كوهين، بأن تشكّل المعارضة لجنة تحقيق رسمية إذا وصلت إلى الحكم، فيما رفض عضو «الليكود»، أوفير كاتس، الصيغة التي تمنح رئيس «المحكمة العليا» دوراً في تعيين أعضاء اللجنة، معتبراً أن «لجنة من هذا النوع لن تحظى بثقة الجمهور».
هكذا، نجح نتنياهو وحلفاؤه في نقل الخلاف من سؤال: هل «يجب التحقيق؟»، إلى سؤال: «من يحقق؟»؛ وهو ما أتاح تعطيل الصيغة التقليدية للجنة، وذلك عبر الطعن مسبقاً في الجهة التي ستعيّن أعضاءها، وفي شرعيتها والنتائج التي قد تصل إليها. وهذا ما لا ينفصل عن سياق أقدم، عنوانه معركة «الإصلاحات القضائية» التي خاضتها حكومة نتنياهو، المُشكّكة في الجهاز القضائي، والساعية إلى فرض السيطرة عليه.
وفي المقابل، أعاد الرئيس "الإسرائيلي"، يتسحاق هرتسوغ، خلال المراسم، تثبيت التحقيق بوصفه واجباً لا يسقط بمرور الزمن، مؤكداً أنه «لا مسافة زمنية تسمح لنا بطمس هذا الواجب»، وداعياً إلى التحقيق «بعزم وشجاعة ومن دون تحيّز» في كيفية وقوع الكارثة. (المصدر: الأخبار)