/تقارير وتحقيقات/ عرض الخبر

تقرير غزة بعد ثلاث سنوات: الإبادة الصامتة

2026/10/07 الساعة 06:55 ص

وكالة القدس للأنباء - متابعة

ثلاث سنوات مرّت على بدء واحدة من أسوأ جرائم الإبادة الجماعية التي وثّقها العصر الحديث، عايش العالم تفاصيلها عبر البثّ المباشر، ولا يزال.

ثلاث سنوات كانت كافية لتدمير قطاع غزة برمّته، مخلّفةً نحو 74 ألف شهيد وأكثر من 175 ألف جريح.

وفيما تتواصل الإبادة اليوم بوتيرة أقلّ صخباً، لا يكاد يتوقّف قادة الاحتلال عن التهديد باستئنافها مجدّداً بزخم أكبر؛ خصوصاً أن الذكرى السنوية لعملية السابع من أكتوبر تتزامن، هذا العام، مع موسم التنافس "الإسرائيلي" عشية الانتخابات المرتقبة في 27 الجاري، الذي اصطحب معه تصعيداً في لغة التهديد بالعودة إلى الحرب الشاملة.

وفي هذا السياق، توعّد وزير (الحرب) الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أمس، الفلسطينيين في القطاع بمزيد من فصول الإبادة، وذلك بذريعة وجود نيَّة ومخطّط لدى حركة «حماس» وفصائل المقاومة لتنفيذ عملية خطف لجندي أو مستوطن جديدة. كما حذّر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، من وجود نية لدى «حماس» لتنفيذ عمل مقاوم عشية الانتخابات، قائلاً: «سنحبط هذا المخطط ونردّ بقسوة».

وفي مقابل تماهي كاتس ونتنياهو في ترديد الرواية نفسها، أكدت المؤسسة الأمنية عدم وجود حقائق ميدانية أو مؤشّرات يمكن الاستناد إليها للتعامل بجدّية مع حال التأهب التي يروّج لها المستوى السياسي.

مع ذلك، تُعزّز حال الإطباق الاستخباري التي يشهدها القطاع، منذ أسابيع، الاعتقاد بأن ثمّة نية مبيّتة لصناعة سيناريو معدّ سلفاً، من شأنه توفير ذريعة لفعل أمني أو ميداني كبير. كما أن مصدراً أمنياً في المقاومة الفلسطينية أكد وجود مخطّط لتنفيذ عملية مدبّرة، تتضمّن اختطاف أحد الجنود الإسرائيليين، ومن ثمّ تحميل الفصائل، وتحديداً حركة «حماس»، مسؤوليتها، ومن ثمّ استخدامها مبرّراً لبدء تصعيد عسكري واسع في غزة.

وعلى أيّ حال، فإن ما يقوم به جيش الاحتلال منذ سريان «وقف إطلاق النار» على الورق فقط، إنما يعدّ أحد أشكال الإبادة التي خفّ ضجيجها عقب توقيع اتفاق شرم الشيخ في تشرين الأول من العام الماضي. فمذّاك، ينفّذ العدو عشرات الغارات وعمليات القصف الجوي والمدفعي، التي تسبّبت، خلال الأشهر العشرة الماضية، في استشهاد 1462 فلسطينياً وإصابة 5151 آخرين.

كذلك، تتسبّب فصول الإبادة المستمرة في تعطيل مناحي الحياة المدنية كافة في القطاع؛ إذ خرّب جيش الاحتلال، على نحو مقصود، 38 مستشفى كانت تقدّم الخدمة إلى نحو 150 ألف مصاب، في وقت يحتاج فيه 25 ألف جريح إلى تدخّل علاجي عاجل في مستشفيات الخارج، من بينهم 5 آلاف جريح لديهم بتور في الأطراف، ولا يزال العدو يعطّل سفرهم.

وعلى مستوى البنية التحتية، دمّر جيش الاحتلال نحو 90% من شبكات الصرف الصحي والآبار الجوفية ومحطّات تحلية مياه البحر وتنقيتها في القطاع، فيما طاول الدمار أكثر من 81% من الكتلة العمرانية. فقد مُسحت عن الخريطة مدن كاملة كانت تمثّل نحو 60% من مساحة غزة، ويسكنها نحو مليون و200 ألف مواطن تحوّلوا إلى نازحين في الخيام، من بينها بيت حانون وجباليا ومخيم جباليا ورفح وخانيونس، إلى جانب أحياء بأكملها شرق مدينة خانيونس.

يتّجه الإجماع السياسي السائد في «الكنيست» وحكومة الاحتلال

نحو استئناف الإبادة

وفي الموازاة، لا تزال إسرائيل تعرقل إدخال الكميات المتّفَق عليها من المواد الغذائية والأدوية والمستلزمات الطبية ومواد الإيواء والمنازل الجاهزة إلى غزة. إذ قلّص الاحتلال أعداد شاحنات المساعدات والبضائع التجارية من 600 شاحنة يومياً إلى 200، مع السماح بدخول بعض البضائع الاستهلاكية، من مثل المشروبات الغازية والكماليات والمواد التموينية، في حين يُمنع دخول مواد البناء والصيانة وحتى زيوت السيارات والوقود.

كذلك أخرج القصف وعمليات التدمير الممنهج نحو 500 مؤسّسة تعليمية عن العمل، وهو ما أدى إلى حرمان 600 ألف طالب من الدراسة النظامية. وفي الاتجاه نفسه، لا تفتأ إسرائيل تقوّض عمل «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا)، التي كانت تقدّم خدماتها إلى أكثر من مليون نازح، وتفتح أبواب مدارسها لتعليم أكثر من 300 ألف نازح.

 وفي ظلّ غياب هذه المؤسّسات، بات عشرات آلاف الطلاب يتلقّون تعليمهم في خيام مصنوعة من النايلون، ويجلسون على الأرض من دون مقاعد دراسية، فيما يعمل آلاف المعلّمين في المهنة بصورة طوعية، ولا يتلقّى أكثر من 12 ألف معلّم حكومي رواتبهم بشكل منتظم.

المفارقة، بعد كلّ ذلك، أن قادة الإبادة، ممّن أصدرت «المحكمة الجنائية الدولية» في حقهم، في تشرين الثاني 2024، مذكرات اعتقال بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية في غزة، لا يزالون يتباهون بفعلتهم ويتوعّدون بتكرارها.

وفي هذا السياق، توعّد كاتس، أمس، بتدمير مدن الضفة الغربية -التي فرضت سلطات الاحتلال إغلاقاً عليها وعلى المعابر المؤدّية إلى القطاع بمناسبة إحياء ذكرى أحداث السابع من أكتوبر- بالشاكلة التي دُمّرت بها غزة، قائلاً إن الخطط موضوعة على الطاولة سلفاً، وهي جاهزة للتفعيل في حال شكّلت الضفة تهديداً مشابهاً لذلك الذي تعتبره إسرائيل قائماً في القطاع.

وتُساوق هذه التهديدات الحال الشعبوية في الداخل الإسرائيلي الذي يتّجه بكلّه نحو أقصى يمين التطرف؛ إذ تتقاطع الأطروحات السياسية والعسكرية الإسرائيلية، التي تتّخذ من غطاء «القضاء على حركة حماس» ذريعة لاستئناف حرب الإبادة مجدداً، بين مختلف الأحزاب والمشارب الانتخابية.

وفي هذا السياق، انتقد مقال نشره الصحافي في «هآرتس»، جدعون ليفي، الإجماع السياسي السائد في «الكنيست» وحكومة الاحتلال على استئناف الإبادة، في وقت لا يعترف فيه الإسرائيليون أصلاً بأنهم ارتكبوها. وأشار ليفي إلى أن جميع قادة الأحزاب، باستثناء رئيس حزب «الديمقراطيين»، يائير غولان، حتى الآن، يطالبون بالعودة إلى خيار الحرب الشاملة وتفجير جولة دموية جديدة في قطاع غزة.

ووصفت «هآرتس» هذه التوجّهات الحزبية بأنها «الفكرة الأكثر جنوناً» في تاريخ الكيان، معتبرةً أن من يتحدّثون اليوم عن تدمير «حماس» إنما يدعون علانيةً إلى تدمير ما تبقى من القطاع بشكل كلّي، وأن هذا الخيار هو الأسوأ والأكثر فظاعة بالنسبة إلى إسرائيل، قبل أن يكون لغزة. (المصدر: الأخبار اللبنانية)

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/229868

اقرأ أيضا