يافا المحتلة - وكالات
تتسابق وسائل الإعلام العبرية على الحديث عن انهيار وشيك للنظام الإيراني، مستندةً في ذلك إلى الصعوبات الاقتصادية الناجمة عن الحصار المفروض على الجمهورية الإسلامية. وعلى الرغم من أن هذه التوقّعات أُطلقت سابقاً بناءً على التقديرات نفسها، من دون أن تجد طريقها إلى التحقّق، فإن الكتّاب والمحلّلين الإسرائيليين يعيدون إنتاجها الآن بحلّة جديدة، في ما يكشف خلطاً بين الحقائق والمُعطيات والأمنيات. في هذا الإطار، يذهب معلّق الشؤون العسكرية في «معاريف»، أفي أشكنازي، إلى أن النظام بات مضطرّاً إلى الاختيار بين إنفاق آخر دولار على إطعام الشعب أو شراء منظومات الدفاع الجوي، متجاهلاً قدرة الأنظمة على توزيع مواردها بين حاجات السكان والإنفاق الأمني، حتى في ظروف اقتصادية صعبة. والمفارقة، أن أشكنازي يعود، في المقال نفسه، إلى سوْق مُعطيات تنقض توقّعاته؛ إذ يقرّ بأن الإيرانيين مُحنّكون وقادرون على تجاوز العقوبات، وأن الحصار لا يفضي، تاريخياً، إلى إسقاط الأنظمة.
في الاتجاه نفسه، تذهب الخبيرة في الشأن الإيراني، تمار إيلام غندين، إلى تفسير غياب الاحتجاجات بكون الإيرانيين مُنهَكين من الجوع، متحدّثةً عن «أمّهات يبعن أجسادهن، وأشخاص يبيعون كُلاهم للحصول على وجبة لحم». وإذ يحمل هذا التقدير زيفاً ومبالغةً واضحَيْن، فهو يتجاهل عوامل أخرى يمكن أن تبدو أكثر إقناعاً، من مثل الخشية من القبضة الأمنية، أو ضعف تنظيم المحتجّين، أو قدرة مؤيّدي النظام على السيطرة على الشارع. ولا تقتصر تعليقات المحلّلين الإسرائيليين على توصيف «الأزمة الإيرانية»، بل إن بعضهم يحدّد أيضاً موعداً لسقوط النظام. ومن بين هؤلاء، يتوقع المحلّل الاقتصادي، شلومو معوز، في صحيفة «معاريف»، أن تنهار إيران خلال ستة إلى تسعة أشهر، في حين تربط إيلام غندين، إلى جانب محلّلين آخرين من مثل دان فري في الصحيفة نفسها، «ساعة إيران التي تدقّ» بتطبيق العقوبات الأميركية بالكامل، والتزام الدول الغربية بذلك المسار، ومنع الشركات والمصارف من التعامل مع طهران.
هكذا، يُبنى التحليل على تطوّرات لم تُحسم أساساً نتيجتها بعد، فيما تُختزل السيناريوات المحتملة إلى سيناريو «الانهيار»، الذي يُعدّ بنفسه فضفاضاً ومُحتاجاً إلى تعريف؛ فهل المقصود به انهيار العملة والاقتصاد؟ أم سقوط الجمهورية الإسلامية؟ ذلك أن الأزمة الاقتصادية لا تعني، وحدها، سقوط النظام، الذي يظلّ تحقّقه محتاجاً إلى عوامل أمنية ومؤسّسية وميدانية إضافية، من مثل الانقسام داخل النخبة، وفقدان الأجهزة الأمنية قدرتها على السيطرة، وابتعاد المؤسّسة العسكرية عن القيادة السياسية، وعجز الحكومة عن دفع الرواتب، وظهور حركة احتجاجية قادرة على الاستمرار. والجدير ذكره، هنا، أن إيران، التي تعيش بالفعل تحت ضغط شديد، لا يتجاوز متوسّط كلفة الكهرباء والماء والغاز والمواصلات فيها سبعة دولارات شهرياً، وهو ما يُعزى إلى أن الدولة تتحمّل الفارق عن الكلفة الحقيقية. لكن هذا هو ممّا لا يحضر أبداً في الصورة الاقتصادية الكارثية التي تعكسها التقارير الإسرائيلية.
المفارقة أن تقريراً لموقع «واللا» العبري يتحدّث عن بيع بكين، طهران، حافلات كهربائية بأسعار مرتفعة، وهو ما يدفع إلى السؤال: إذا كانت إيران تعاني، وفق الرواية الإسرائيلية، شحّاً مالياً ومجاعة، فلماذا تنشغل بلدية طهران بتلوّث البيئة وتشتري حافلات من هذا النوع؟
