في الوقت الذي كان فيه أهالي غزة يشيّعون، في مسجد النور غربي المدينة، جثمانَي الشهيدتَين حلوم وابنتها ياسمين البوبو، كانت أجراس الحداد تُقرع في كنيسة القديس برفوريوس شرقي المدينة، في وداع الشهيدتَين ميساء وابنتها ماري أبو داوود. هؤلاء الشهيدات الأربع، قضيْن في مجزرة واحدة، نفّذها جيش الاحتلال بذريعة محاولة اغتيال طاولت بناية سكنية في مربع ميناء غزة.
إذ أغارت الطائرات الحربية الإسرائيلية، منتصف ليل الجمعة - السبت، بصواريخ حارقة، بمؤازرة طائرات انتحارية، على بناية «الأصالة» غربي غزة، متسبّبةً بمجزرة أودت بحياة الأهالي الآمنين، وتدمير أربع شقق سكنية وطابقَين من المبنى بصورة كاملة.
وبحسب الرواية الإسرائيلية، كان الهدف من الغارة اغتيال قائد حركة «حماس» في غزة، علي العامودي، قبل أن تكشف الساعات اللاحقة أن المجزرة برمّتها نُفذت بناءً على افتراض استخباري خائب، وليس أكثر من ذلك.
في حديثها عن العامودي، وصفت الصحافة العبرية الأخير بأنه الرجل الذي يقود ما تسمّيه تل أبيب «مرحلة الخديعة» التي تمارسها «حماس» تجاه إسرائيل، والقائمة على الموافقة على نزع السلاح، وكسب مزيد من الوقت لإعادة بناء قدرة الحركة العسكرية وترميم صفوفها.
أيضاً، تصف وسائل الإعلام العبرية العامودي بأنه «الصندوق الأسود» لقائد «حماس» السابق في غزة، الشهيد يحيى السنوار، الذي شارك الأوّل في اتخاذ قرار عملية «طوفان الأقصى» والتخطيط لها، علماً أن العامودي كان فاز أخيراً في الانتخابات الداخلية للحركة في قيادة ساحة غزة.
وفي محاولة لتفسير فشل العملية، زعم الإعلام العبري، ولا سيما قناة «آي 24 نيوز»، أن استخبارات «كتائب القسام» تمكّنت من ممارسة نوع من الخديعة، من طريق توظيف عملاء مزدوجين قدّموا معلومات مضلّلة إلى الاستخبارات الإسرائيلية، وأتاحوا بالتالي المجال للرجل لمغادرة الشقة المستهدفة قَبل يوم من القصف.
وُضع العامودي هدفاً أول للملاحقة الإسرائيلية
منذ تولّيه قيادة ساحة غزة
ويُعدّ العامودي، الذي ولد عام 1975 في مدينة خانيونس جنوبي القطاع، أحد أبناء الرعيل الأول في «حماس» وجناحها العسكري؛ وكان تمّ تحريره من الأسر في صفقة «وفاء الأحرار» عام 2011، بعدما أمضى عشرين عاماً في السجون الإسرائيلية. وبعد الإفراج عنه، تدرّج في المناصب التنظيمية داخل الحركة خلال عهد السنوار، وتولّى مواقع حساسة، من بينها دائرة الإعلام العسكري وإدارة مكتب قائد الحركة في غزة، قبل أن يبرز خلال حرب الإبادة كأحد الشخصيات المؤثّرة في عملية اتخاذ القرار.
وبعد استشهاد السنوار ونائبه روحي مشتهى عام 2024، شغل منصب نائب رئيس «حماس» في غزة، الذي كان يتولّاه خليل الحية. ومع انتخاب الحية رئيساً للمكتب السياسي للحركة في تموز 2026، بات العامودي مسيّراً لشؤون «حماس» في القطاع والقائم بأعمال رئيسها إلى حين انتخاب رئيس جديد.
ومنذ فوزه أخيراً في الانتخابات الداخلية للحركة لقيادة ساحة غزة، وُضع العامودي هدفاً أول لعمليات الملاحقة الميدانية الإسرائيلية، في وقت يجري فيه توظيف الاغتيالات في تعزيز أوراق الأطراف المتنافسة في الموسم الانتخابي الذي يشهده الكيان.
كذلك، فإن سلسلة الاستهدافات الإسرائيلية التي طاولت قيادات الصف الأول في «حماس» والقادة البارزين في «القسام»، تعكس رغبة إسرائيلية في دفع «حماس» إلى تفجير اتفاق وقف إطلاق النار، بما يتيح فرصة التوجه إلى ذروة الفعل الميداني الذي يسمح بتأجيل الانتخابات.
وعلى طريق مواصلة تهيئة الأرضية لتوجّهٍ كهذا، زعم رئيس وزراء الاحتلال، بنيامين نتنياهو، أمس، أن حركة «حماس» وفصائل المقاومة الفلسطينية ستحاول خلال الأسابيع المقبلة تنفيذ عملية اختطاف جندي إسرائيلي، محذّراً من أن الردّ سيكون «قاسياً» في حال نجاح مثل هذه المحاولة. وإذ سبق لتلك التصريحات أن وردت هي نفسها على لسان وزير الأمن، يسرائيل كاتس، في وقت سابق، فهي تتقاطع مع مؤشرات ميدانية أخرى، أبرزها الإطباق الاستخباري الإسرائيلي المتواصل على أجواء قطاع غزة منذ نحو شهرَين، والذي يعزّز الاعتقاد بوجود استعدادات لتنفيذ فعل ميداني كبير، يمكن تقديمه كمبرّر للتنصل من الاستحقاق الانتخابي.
*(المصدر: جريدة الأخبار اللبنانية)