/تقارير وتحقيقات/ عرض الخبر

تقرير غزة.. سادس موكب للحزن المؤجّل: هنا قتلت "إسرائيل" 400 أعزل

2026/10/02 الساعة 10:05 ص

وكالة القدس للأنباء - متابعة

في مقابل ثلاجة الموتى في «مستشفى الشفاء»، احتشد مئات الغزيين لتشييع ثمانية شهداء، كانوا قضوا في غارات متفرّقة الأربعاء. وفي الوقت نفسه، وعلى أنقاض «مربع التاج» السكني، شرقي مدينة غزة، اصطفّت جثامين أكثر من 105 شهداء، نجحت طواقم «الدفاع المدني» في انتشالهم بعد نحو ثلاث سنوات على سقوطهم في واحدة من أكثر المجازر "الإسرائيلية" بشاعةً في القطاع.

هكذا، وبين مآتم «طازجة» يُحمل فيها الشهداء على الأكتاف فيما الدماء لا تزال تسيل من جراحهم، وأخرى مؤجّلة تُلفّ في أثنائها بقايا الجثث بأعلام فلسطين، وتُحمل العظام الخفيفة الناجية كأنها أوراق أشجار، تتصدّر الجنائز، الجماعية الكبرى أو الفردية، صورة القطاع منذ شهور. هو إذاً موتٌ يصل في موعده، أو وآخر يتأخر أعواماً قبل أن يجد أهله ما يوارونه الثرى.

خلال يومَي الأربعاء والخميس فقط، استشهد عشرة فلسطينيين في عمليات اغتيال، تعمّد خلالها جيش الاحتلال، كما في أثناء عمليات سابقة، إيقاع أكبر قدر من «الأضرار الجانبية». إذ قصف، الأربعاء، حافلة نقل عمومي تجرّ عربة خلفية، كانت تقلّ نحو خمسين راكباً من جنوب القطاع إلى شماله، بذريعة اغتيال عمار الشرافي، وهو كادر متوسط الرتبة في «كتائب القسام». وتسبّب القصف الذي وقع في ساعات الظهيرة، حيث تكتظ الشوارع بالطلاب والمارة، باستشهاد أكثر من خمسة فلسطينيين وإصابة 17، معظمهم من النساء والأطفال، بينهم مصابون بجروح بليغة وحالات بتر.

وليست هذه المجازر التي يتبنّاها جيش الاحتلال، مع ذكر أسماء الشخصيات المستهدَفة فيها، وإغفال «الأضرار الجانبية» التي تتسبّب بها، سوى نموذج مصغّر من الجرائم الكبرى التي ارتُكبت على مدار ثلاث سنوات من الحرب، من دون أيّ داعٍ عملياتي سوى القتل الجماعي.

وتعدّ مجزرة «مربع التاج»، التي نفّذتها الطائرات الحربية الإسرائيلية في 28 تشرين الأول 2023، واحدة من أبرز تلك الجرائم. إذ إن المربع السكني الذي استهدفته بدعوى اغتيال قائد وازن في «كتائب القسام»، كان عبارة عن ثماني بنايات تقطنها عشرات العائلات التي تستضيف نازحين، يُقدّر عددهم بنحو ألف إنسان.

وإذ أغارت الطائرات الحربية وقتها على المربع بحزام ناري من ستّ غارات، فقد تسبّبت «الأضرار الجانبية» التي أوقعتها وغابت عن سياق استعراض العملية، باستشهاد نحو 400 فلسطيني وإصابة المئات، فضلاً عن تدمير أربع بنايات سكنية.

في مراسم تشييع شهداء «التاج» التي جرت أمس، وقف فواز زيارة، أحد ذوي الشهداء، بين المشيّعين. يقول فواز، في حديثه إلى «الأخبار»، إن هذه المجزرة «واحدة من أكبر المجازر التي لم تأخذ حقها في التغطية الإعلامية»، مضيفاً أن الضحايا «لم يتعرّف الناس إليهم، لا عدداً ولا قصة ولا هوية»؛ إذ إن المجزرة ارتُكبت في بدايات الحرب، في وقت كان فيه جيش الاحتلال يعمل على إخلاء مدينة غزة وشمالها من الأهالي والطواقم الإغاثية والمدنية.

ويضيف: «فقدتُ عشرين فرداً من أبناء أسرتي، كانوا قد نزحوا إلى المنطقة. لم نعرف مصيرهم طوال شهور. في البداية حضرت الطواقم الطبية والإغاثية واستخرجت من استطاعت من الشهداء، ودُفنوا على عجالة. واليوم، بعد ثلاثة أعوام، استطعنا انتشال 105 شهداء. تعرّفنا إلى بعضهم من ملابسهم ومقتنياتهم، واحتسبنا من لم نتعرّف إليه شهيداً».

مواكب الحزن تظلّ شاهدةً

على جرائم كبرى ارتكبتها إسرائيل وكادت تغيب في زحام الجرائم اليومية

أمّا محمود هنية الذي وقف أمام جثمان زوجته، الصحافية دعاء شرف، حاملاً ما تبقّى من متعلّقات نجله الشهيد الطفل عبيدة، فيقول لـ«الأخبار»، إن «دعاء وعبيدة وكافة أنسابي من عائلة شرف استشهدوا في المجزرة البشعة. هذه رضّاعة ابني عبيدة، وهذه ألعابه التي وجدتها إلى جانبه».

ويتابع أن «إسرائيل تزعم أنها أرادت اغتيال شخصية من قادة المقاومة، لكن الهدف هو الإبادة والقتل الجماعي من دون أيّ رادع»، مشيراً إلى أن «إسرائيل تمتلك من القنابل الذكية والمركّزة المحدودة التأثير والأضرار الجانبية، ما يمكّنها من تقليل أعداد الضحايا»، مذكّراً بأن استخدام تلك القنابل «تكرّر في وقت الهدنة، عندما قُيّدت أوامر إطلاق النار، واستُخدمت صواريخ محدودة التأثير تقتل الهدف مع هامش محدود من الإصابات والأضرار المحيطة». لكن ما حدث في مجزرة التاج ومئات المجازر الكبرى «كان قتلاً جماعياً وإراقة للدماء من دون أيّ حسابات إنسانية وبشرية»، كما يقول.

وكانت أجريت تحقيقات صحافية عن مجزرة التاج، أبرزها تحقيق لمجلة «دير شبيغل» الألمانية، كشف عن تفاصيل خطيرة حول كيفية تنفيذها، من بينها أن جيش الاحتلال استخدم فيها تقنية ذكاء اصطناعي متطوّرة لتحديد الأهداف، تعتمد على تحليل المكالمات والاتصالات المنتظمة، وقد تصنّف هدفاً «في غاية الأهمية» إذا رصدت وجود أكثر من شخص في موقع ما.

كما أورد التحقيق اعترافات إسرائيلية بأن أنظمة تحليل الأهداف بالذكاء الاصطناعي حدّدت «أهدافاً خاطئة»، وأن مجزرة التاج كانت واحدة من الحالات التي لم يُستند فيها إلى معلومات استخبارية دقيقة، مما أدى إلى وقوع هذه الكارثة الإنسانية.

كذلك، أجرى مكتب «المفوض السامي لحقوق الإنسان» التابع للأمم المتحدة في جنيف تحقيقاً آخر في قصف مجمع «كراون تاور» السكني، باعتباره واحداً من ستة حوادث، قال المكتب إنها قد تمثّل انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، بالنظر إلى العدد الكبير من المدنيين الذين قُتلوا فيها.

وفي المقابل، اكتفى جيش الاحتلال بتعليل الهجوم بتوفّر معلومات ذات «حساسية عالية»، وأنه استهدف بنية عسكرية تحتية لحركة «حماس». أما في حال «مربع التاج»، فلم يحدّد الجيش سبباً تفصيلياً للهجوم، لتُضاف هذه المجزرة إلى مئات المجازر المشابهة، التي تتربّع على رأس قائمتها مجزرة «مستشفى المعمداني» التي قضى فيها أكثر من 400 شهيد، ومجزرة حارة السنايدة في مخيم جباليا التي خلّفت 450 شهيداً، و«مسجد التابعين» (100 شهيد)، وعائلة أبو نصر (300 شهيد)، والنصيرات (200 شهيد)، ومذابح أخرى لم تأخذ حقها في التحقيق والتوثيق.

ويعدّ موكب الحزن الذي انطلق أمس من «مربع التاج» وطاف شوارع مدينة غزة، الموكب الجنائزي السادس من نوعه، الذي سيظلّ، إلى جانب الخمسة التي سبقته، شاهداً على جرائم كبرى ارتكبتها إسرائيل بالاستناد إلى شيك على بياض مُنحته كي تفعل ما يحلو لها، وكادت تغيب في زحام الجرائم اليومية. (المصدر: الأخبار اللبنانية)

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/229743

اقرأ أيضا