مع اقتراب الذكرى الـ39 لانطلاقة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، التي تأسست في ثمانينيات القرن الماضي، تأتي المناسبة هذا العام في ظل تداعيات الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ عام 2023، والتي أعقبت معركة "طوفان الأقصى"، ومشاركة الحركة وجناحها العسكري "سرايا القدس" في المواجهة.
ويرى المحلل السياسي أشرف القصاص أن مشاركة حركة الجهاد الإسلامي في معركة "طوفان الأقصى: جاءت امتداداً لمسار المقاومة الذي تتبناه الحركة، وكرَّست عملياً مفهوم "وحدة الساحات" والشراكة العسكرية بين فصائل المقاومة الفلسطينية.
ويقول القصاص في حواره مع "شمس نيوز"، إن سرايا القدس الجناح العسكري لحركة الجهاد الإسلامي، انخرطت منذ الساعات الأولى في العمليات الهجومية والدفاعية بالتنسيق مع الفصائل الأخرى، مشيراً إلى أن الحركة أكدت من خلال مشاركتها تمسكها بخيار المقاومة.
ويعتقد أن مشاركة الجهاد الإسلامي يمكن قراءتها أيضاً في سياق الرد على استمرار الاحتلال والحصار والانتهاكات في القدس والمسجد الأقصى، إلى جانب التوسع الاستيطاني والاقتحامات في الضفة الغربية.
ويضيف القصاص أن ملف الأسرى يمثل أحد المحاور الأساسية في استراتيجية الحركة، لافتاً إلى أن مشاركتها في العمليات الميدانية وأسر جنود إسرائيليين هدفت إلى تعزيز أوراق الضغط في مفاوضات وعمليات التبادل.
ويرى القصاص أن جبهة الضفة الغربية، ولا سيما جنين وطولكرم، ستبقى ساحة مهمة في حسابات الحركة، إلى جانب الحفاظ على علاقاتها مع الأطراف الإقليمية الداعمة لها.
ويشير إلى أن الحركة تواجه في المقابل تحديات سياسية وتنظيمية وإعلامية، أبرزها استهداف قياداتها، وتدمير بنيتها التحتية العسكرية، وصعوبة الحفاظ على قنوات التواصل بين غزة والضفة والقيادة الخارجية.
ويتابع أن التحدي الإعلامي لا يقتصر على مواجهة السردية الإسرائيلية، بل يمتد إلى إدارة الخطاب أمام الحاضنة الشعبية في ظل الدمار الهائل والحاجة المتزايدة إلى الإغاثة والإعمار.
ويخلص المحلل القصاص إلى أن الحركة ستواصل التمسك بخيار المقاومة المسلحة ورفض مسارات التسوية، فيما ستبقى أمام تحديات مرتبطة بإعادة بناء قدراتها وتجديد قياداتها والتعامل مع تداعيات الحرب واحتياجات المجتمع الفلسطيني.
وفيما يلي نص الحوار:
س1: كيف تقرأ مشاركة حركة الجهاد الإسلامي في معركة "طوفان الأقصى" باعتبارها جزءاً من مسار المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال؟
ج1/ مشاركة حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين في معركة «طوفان الأقصى»، التي انطلقت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تمثل امتداداً طبيعياً وتطويراً بنيوياً لجهود الحركة ضمن مسار المقاومة الفلسطينية المسلحة، ويمكن قراءتها من عدة مرتكزات:
أولاً، تكريس «وحدة الساحات» والشراكة العسكرية، إذ شكلت المعركة تطبيقاً عملياً للمبدأ الذي نادت به الحركة ودخلت من أجله معارك سابقة، مثل معركة «وحدة الساحات» عام 2022.
وانخرطت «سرايا القدس»، منذ الساعات الأولى، في العمليات الهجومية والدفاعية بالتنسيق مع كتائب القسام والفصائل الأخرى تحت مظلة الغرفة المشتركة، وساهمت في إدارة المعركة عبر سلاح النخبة والمدفعية والصواريخ.
ثانياً، التمسك بالخيار العسكري ورفض المساومة السياسية، إذ تأسست الحركة على أطروحة فكرية تعتبر الجهاد المسلح وسيلة مركزية لتحرير فلسطين، وترفض مسارات التسوية أو الانخراط في سلطة حكم ذاتي تحت الاحتلال. وجاءت مشاركتها في «طوفان الأقصى» لتؤكد هذه الرؤية، وفق أدبياتها، في مواجهة الاستيطان والانتهاكات في القدس والمسجد الأقصى.
ثالثاً، ربط غزة بالضفة الغربية وجبهات الإسناد، إذ تتميز قراءة الحركة للصراع بعدم فصل الجغرافيات الفلسطينية. وقد انعكس ذلك من خلال نشاط كتائبها في الضفة، إلى جانب ارتباطها بجبهات إسناد إقليمية.
رابعاً، ملف الأسرى، حيث شاركت «سرايا القدس» في أسر جنود ومستوطنين إسرائيليين خلال أحداث السابع من أكتوبر، واحتفظت الحركة بملف الأسرى كورقة ضغط في مفاوضات وعمليات التبادل.
س2/ إلى أي مدى يمكن فهم مشاركة الجهاد الإسلامي في إطار الدفاع عن الشعب الفلسطيني وحقوقه في ظل استمرار الاحتلال وسياساته؟
ج2/ يمكن فهم المشاركة، وفق مواقف الحركة المعلنة، من خلال عدة أبعاد، أبرزها الرد على استمرار الاحتلال والحصار المفروض على قطاع غزة، حيث ترى الحركة أن العمل المسلح يمثل الأداة الرئيسية لمواجهة سياسات الأمر الواقع وكسر حالة الجمود السياسي.
كما شكلت القدس والمسجد الأقصى محوراً أساسياً في خطاب الحركة، إلى جانب مواجهة التوسع الاستيطاني والانتهاكات في الضفة الغربية.
ويأتي ملف الأسرى أيضاً ضمن الثوابت الوطنية للحركة، إذ هدفت مشاركتها في العمليات الميدانية وأسر جنود إسرائيليين إلى الضغط من أجل إبرام صفقات تبادل والإفراج عن الأسرى الفلسطينيين.
ويبرز هنا مفهوم «وحدة الساحات»، الذي تتبناه الحركة باعتباره إطاراً لربط غزة والضفة والقدس والداخل المحتل، إضافة إلى جبهات الإسناد الإقليمية، ومنع الاستفراد الإسرائيلي بأي جزء من الجغرافيا الفلسطينية.
س3/ بعد طوفان الأقصى، كيف يمكن قراءة دور الجهاد الإسلامي في مسار المقاومة والدفاع عن الشعب الفلسطيني خلال المرحلة المقبلة؟
ج3/ تشير القراءات إلى عدة أبعاد أساسية لدور الحركة في المرحلة المقبلة.
أولها التركيز على «سؤال القتال» والابتعاد عن الحكم، إذ تتعامل الحركة مع مرحلة ما بعد «طوفان الأقصى» باعتبارها «حالة قتالية مستمرة»، وترى أن التنافس على السلطة أو إدارة الحكم في ظل الاحتلال مسار معطل للمقاومة. لذلك سيركز دورها على إعادة بناء قدراتها العسكرية وإدامة الاشتباك دون تحمل أعباء الإدارة المدنية لقطاع غزة.
وثانياً، تعزيز الشراكة الميدانية ضمن «غرفة العمليات المشتركة» والحفاظ على التنسيق مع حركة حماس وبقية الفصائل.
وثالثاً، تفعيل جبهة الضفة الغربية كساحة استراتيجية، خصوصاً في مخيمات شمال الضفة مثل جنين وطولكرم، باعتبارها ساحة قادرة على استنزاف المنظومة الأمنية الإسرائيلية.
كما ستسعى الحركة إلى الحفاظ على ترابطها مع الأطراف الإقليمية الداعمة لها، بما يمنحها قدرة على المناورة وإعادة بناء ما دمرته الحرب.
وفي المقابل، تواجه الحركة تحديات، أبرزها استهداف قياداتها، وصعوبة التوفيق بين الرؤية العسكرية والبيئة الشعبية في ظل الدمار الهائل وحاجة الفلسطينيين إلى الإغاثة والإعمار.
س4/ ما أبرز التحديات التي فرضتها الحرب على الجهاد الإسلامي سياسياً وتنظيمياً وإعلامياً؟
ج4/ على المستوى السياسي، تواجه الحركة تحديات في إدارة تحالفات «وحدة الساحات» والتنسيق مع الفصائل الأخرى، خصوصاً حركة حماس، إلى جانب معادلة رفض المشاركة في النظام السياسي المنبثق عن اتفاقيات أوسلو، وما يترتب على ذلك من محدودية أدوات المناورة السياسية الرسمية.
كما تواجه ضغوطاً إقليمية ودولية، في ظل تصنيفها «منظمة إرهابية» من قبل قوى دولية متعددة، إضافة إلى تحالفاتها الإقليمية.
تنظيمياً، يمثل استهداف القيادات والكوادر تحدياً كبيراً يتعلق بالحفاظ على تماسك الهيكل التنظيمي واستمرارية صنع القرار، فضلاً عن تدمير البنية التحتية العسكرية وصعوبة إعادة البناء في ظل الحصار.
كما يفرض الفصل الجغرافي بين غزة والضفة والقيادة الخارجية صعوبات إضافية أمام العمل التنظيمي والعملياتي.
أما إعلامياً، فتواجه الحركة تحدي مجابهة السردية الإسرائيلية التي تسعى إلى تصويرها باعتبارها وكيلاً إقليمياً، إلى جانب التضييق الرقمي وإغلاق بعض منصاتها وحساباتها.
ويبرز أيضاً تحدي إدارة الحاضنة الشعبية في ظل الدمار الهائل، والموازنة بين إبراز العمل العسكري من جهة، والتعامل مع معاناة السكان والكلفة الإنسانية للحرب من جهة أخرى.
س5/ بعد ثلاث سنوات من "طوفان الأقصى"، كيف يمكن قراءة موقع الجهاد الإسلامي في المرحلة الفلسطينية المقبلة؟
ج5/ ستواصل الحركة، وفق مسارها الحالي، تعزيز حضورها العسكري والعملياتي، مع استمرار التركيز على «المقاومة المسلحة» وإعادة بناء قدراتها، والاستفادة من شبكة تحالفاتها الإقليمية.
كما ستبقى جبهة الضفة الغربية أولوية، من خلال تطوير كتائبها المسلحة في جنين ونابلس وطولكرم، بهدف إبقاء هذه الجبهة فاعلة في مواجهة الاحتلال.
وسيستمر تمسك الحركة برفض مسارات التسوية واتفاقيات أوسلو ومخرجاتها، إلى جانب اشتراطها إعادة ترتيب البيت الفلسطيني وإعادة بناء منظمة التحرير على أسس وطنية ومقاومة شاملة.
وعلى صعيد العلاقة مع حماس، عمقت «طوفان الأقصى» التنسيق الميداني والسياسي بين الطرفين عبر الغرفة المشتركة، ومن المرجح أن يستمر هذا التنسيق في الملفات الكبرى، بما فيها المفاوضات وصفقات التبادل وإعادة الإعمار.
وفي الوقت نفسه، ستظل العلاقة مع المحور الإقليمي عاملاً مؤثراً في موقع الحركة، خصوصاً ما يتعلق بشبكات الدعم المالي واللوجستي وتوازنات الردع الإقليمية.
وتواجه الحركة كذلك معضلة الحكم والإدارة، إذ لطالما نأت بنفسها عن إدارة القطاع مدنياً، لكنها قد تواجه ضغوطاً شعبية وسياسية للمساهمة في حلول تخفف المعاناة الإنسانية، دون التخلي عن السلاح.
كما سيبقى استهداف القيادات تحدياً رئيسياً، بما يفرض على الحركة تجديد قياداتها والحفاظ على قدرتها التنظيمية.
وبذلك، فإن موقع حركة الجهاد الإسلامي في المرحلة المقبلة سيتحدد بدرجة كبيرة بقدرتها على الحفاظ على قوتها العسكرية، وترميم ما دمرته الحرب، واستمرار حضورها في الضفة الغربية، مع بقاء موقعها السياسي مرتبطاً بتطورات المشهد الفلسطيني والإقليمي.
المصدر: شمس نيوز
التاريخ 1\10\2026