/مقالات/ عرض الخبر

حُقنة شيطانية

2026/09/29 الساعة 12:57 م

نايف زيداني

لا أدري إن كان من الصواب القول إن التحريض الدموي على فلسطينيي الداخل، من قبل شرائح واسعة في المجتمع الإسرائيلي وقيادته، يتخذ طابعاً أكثر حدّة عشية انتخابات الكنيست التي ستجرى في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، ذلك أنه لم يتوقّف يوماً، وشهد ذروات خطيرة كثيرة ومتواترة، خاصة في السنوات الثلاث الأخيرة وبأشكال مختلفة.

لكنه ربما يكتسب زخماً في هذه الأيام، وتتسارع وتيرته، من خلال منظومة متكاملة، أذرعها متشعبة، تنفث السم لنزع شرعية العرب في شتى المجالات حتى الإنسانية، وبالتأكيد السياسية والانتخابية.

يقف المرء حائراً أمام أفكار لا تخطر إلا على بال شيطان، سواء ذاك الذي يرأس الحكومة الإسرائيلية ويحذّر من تصويت العرب في الانتخابات، أو ذاك الحاخام الذي يعتقد أن حقنة الطبيب العربي يمكن أن تكون أخطر من الصاروخ الإيراني على الإسرائيليين، أو من أمثال من قرروا في لجنة الانتخابات المركزية، شطب القوائم العربية من السباق الانتخابي وشطب مرشحين، حتى وإن كانت المحكمة العليا ستبت بالقرارات النهائية في وقت لاحق من هذا الأسبوع.

الأمثلة كثيرة، والأهم مقاصدها وما تنذر به من مخاطر كبيرة في الداخل. في انتخابات مارس/آذار 2015، أطلق بنيامين نتنياهو عبارته الشهيرة "العرب يتدفقون إلى صناديق الاقتراع". جملة كانت كفيلة بتصويرهم في ذهنية الإسرائيليين، خاصة مصوّتي أحزاب اليمين، خطراً داهماً يهدد إسرائيل. شدة وقعها على الشارعين العربي واليهودي، كل من منظاره، تجعلها حاضرة حتى بعد 11 عاماً.

اليوم نتنياهو يستخدم فزاعة العرب مجدداً، ولكن بشكل مختلف، بزعم أن منافسيه في المعسكر المناهض له، سيعتمدون على الأحزاب العربية في تشكيل حكومتهم، وهو التحريض نفسه بالمحصّلة، ولكن بقالب مختلف.

كما كان "الليكود" الذي يتزعمه نتنياهو، قد ساهم الأسبوع الماضي، إلى جانب حزب "عوتسما يهوديت" بزعامة إيتمار بن غفير، وجهات أخرى في تقديم طلبات شطب ضد الأحزاب العربية، إلى لجنة الانتخابات المركزية، التي قررت شطب التمثيل العربي كاملاً: القائمة المشتركة، والقائمة الموحّدة، إلى جانب شطب المرشحين النائب عوفر كسيف من الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، وسامي أبو شحادة، رئيس التجمّع الوطني الديمقراطي، وكلاهما يخوضان الانتخابات ضمن القائمة المشتركة. والنتيجة، إقصاء للعرب ممن يؤمنون بأهمية التصويت، ولصوتهم ومرشحيهم وممثليهم، ونزع لشرعيتهم، رغم ادّعاء إسرائيل أنها "واحة الديمقراطية" في المنطقة.

وفي حين من المتوقّع أن تسمح المحكمة العليا في نهاية المطاف بخوض القائمتين الانتخابات، وكذلك كسيف، تبدو الأمور أكثر تعقيداً بقضية أبو شحادة، على خلفية مقال نشره غداة عملية السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، وسيكون يوم الخميس المقبل حاسماً.

 وسط كل هذا التحريض وهذه العنصرية، وفي جزء من المشهد العام ضد فلسطينيي الـ48، تشهد هذه الأيام هجوماً على الأطباء العرب. ليس الأول من نوعه خاصة في السنوات الأخيرة، لكنه يُصبح أكثر خطورة ورعونة.

مثال واحد كاف لتقريب المشهد، وهو ما زعمه الحاخام والمحامي المنتمي لحزب "زهوت" الفاشي، يتسحاق زاغا، في الآونة الأخيرة، وعاد للواجهة في هذه الأيام بفيديو متداول. يهاجم زاغا الأطباء والصيادلة العرب العاملين في جهاز الصحة الإسرائيلي، خاصة من درسوا في جامعة النجاح في نابلس، زاعماً أنهم قد يقررون إدارة الحرب من موقعهم الطبي، إذ "يكفي ألا يحافظوا على التعقيم، أو أن يعطوا مضادات حيوية غير صحيحة (يقصد ليهودي إسرائيلي) ليتسببوا بانهيار شخص من شدة الضعف".

أكثر من هذا، يطالب بإخضاع الأطباء والصيادلة العرب إلى فحص أمني، ذلك أنهم "أخطر من صاروخ إيراني. فالصاروخ قد يسقط على مبنى، ولكن ما زال بالإمكان الاحتماء في ملجأ، بينما هم (الفرق الطبية العربية) يتناولون حقنة، ويغرزونها في دمك، وأنت بين أيديهم بالكامل".

الفكر الذي يحمله زاغا هذا، مخيف. ليس الخطر على اليهود الاسرائيليين، من فرق طبية عربية، تعمل بمهنية ومسؤولية وإنسانية منذ عقود، بل من مثل هذه الأفكار الشيطانية، التي تخطر على بال زاغا وأمثاله. والسؤال ما إذا كان حقن العرب بحقن مميتة، هو ما كان سيفعله زاغا وأشكاله لو كان طبيباً؟ وإلا فما معنى أقواله هذه، التي قد تدفع أيضاً نحو الاعتداء على الأطباء والممرضين العرب.

المصدر: العربي الجديد

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/229669