لم يعُد خافياً أن «مجلس السلام»، المفوَّض بإدارة قطاع غزة ما بعد حرب الإبادة، يكاد يتبنّى جزءاً كبيراً من الرؤى والأهداف الإسرائيلية، بل ويدافع عنها وكأنها أهدافه. تجلّى آخر مؤشرات ذلك في ما ساقه مسؤول في المجلس، قبل أيام، في شأن عمل «وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين» (الأونروا)، والذي بدا متطابقاً تماماً مع الموقف الإسرائيلي؛ إذ قال المسؤول، في تصريحات نشرتها وكالة «أسوشييتد برس» شريطة عدم الكشف عن هويته، إن «زمن الأونروا انتهى».
وإذ تحدّث عن إمكان استمرار بعض برامجها إذا ثبتت جدواها في خدمة الفلسطينيين، فهو ربط هذا الاستمرار بإخضاع العاملين فيها لإجراءات التدقيق والتحرّي الأمني، بما يتيح التأكّد من عدم انتمائهم إلى حركة «حماس» أو ترويجهم لمصالحها.
وبينما يجري الحديث علناً عن إنهاء دور الوكالة في غزة، وصف المفوض العام السابق لـ«الأونروا»، فيليب لازاريني، المساعي الإسرائيلية وموقف «مجلس السلام» -الذي لا يمانع الاستفادة من إمكانات الوكالة اللوجستية وخبرتها الطويلة في إدارة شؤون النازحين واللاجئين في القطاع-، بـ«التناقض العبثي»، لا سيما في ظلّ توقّع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة استمرار «الأونروا» في أداء مهامها.
وكشف لازاريني، في مقابلة مع وكالة «أسوشييتد برس» هي الأولى له منذ مغادرته منصبه مطلع العام الجاري، عن اتصالات واجتماعات جرت خلف الكواليس بين «الأونروا» و«مجلس السلام» الذي أنشأته الولايات المتحدة، وذلك رغم إعلان الأخير عدم وجود دور للأولى في خططه الخاصة بقطاع غزة.
وفيما أشار إلى أن أعضاء اللجنة الفلسطينية التكنوقراطية التي يفترض أن تتولى إدارة القطاع مستقبلاً، أبدوا رغبة في مواصلة العمل مع «الأونروا»، أكدت مصادر «أسوشييتد برس»، عقد ثلاثة اجتماعات على الأقلّ هذا العام بين الجانبَين -كان أحدثها في أيلول الجاري، فيما جرى اثنان منها خلال مدة تولّي لازاريني رئاسة الوكالة-، ناقشت إمكان التعاون في خطط مستقبلية للقطاع، بما في ذلك دور «الأونروا» في إعادة إعمار مخيمات اللاجئين.
هكذا، وفيما تؤذن التصورات الحالية التي يعرضها «مجلس السلام»، بإنهاء عصر الاعتماد على الإغاثة، والانتقال إلى مرحلة «الاستثمار والبناء»، باعتبار أن المشكلة السياسية - التاريخية المتمثّلة باللجوء والنكبة تمّ تجاوزها، تكشف الاتصالات الدائرة ضبابية في الموقف من «الأونروا»: ما بين استبعاد عملها، أو تدميرها من الداخل عبر دفعها إلى تقليص كوادرها والخدمات المقدَّمة من جانبها، بمحاصرة التمويل المخصَّص لها وتجفيفه.
مع ذلك، يبدو متعذّراً الاستغناء الكامل عن خدماتها وبنيتها البشرية وخبرتها الميدانية، خصوصاً أن تجارب المؤسّسات البديلة أثبتت عجزها ومحدودية قدرتها على التعاطي مع حاجات الإغاثة الكبيرة.
وليست حكاية كيان الاحتلال مع «الأونروا» وليدة حرب الإبادة؛ إذ وُضع هدف تقويض الوكالة وإنهاء خدماتها منذ سنوات طويلة، وذلك باعتبارها الشاهد الأممي والدولي الأبرز على جريمة تهجير الفلسطينيين من بلادهم عام 1948.
كما مارس الاحتلال المئات من الحِيل لإسقاط صفة اللاجئ، تارةً عبر اعتبار اللاجئين هم الجيل الذي شهد النكبة، من دون توريث الصفة هذه إلى أبنائهم والأجيال اللاحقة، وتارةً أخرى عبر اعتبار مَن نزحوا خارج فلسطين في عام النكبة غير لاجئين، بالتوازي مع محاولات توطين هؤلاء في دول الطوق (لبنان وسوريا والأردن). إلا أن تلك المحاولات كلها جوبِهت برفض فلسطيني وعربي ودولي.
ومثّلت الشهور الأولى من حرب الإبادة، وما رافقها من تضامن غربي مع إسرائيل عقب عملية «طوفان الأقصى»، فرصة لتمرير قرار حظي بإجماع في «الكنيست» الإسرائيلي لوقف عمل «الأونروا» بصورة تامّة، وتفويض مهماتها الإغاثية العاجلة إلى مؤسّسات أممية بديلة، من مثل «برنامج الغذاء العالمي»، ومؤسسات دولية أخرى، بينها «أطباء بلا حدود» و«منظمة الصحة العالمية».
وأعقب هذا القرارَ إيقافُ الولايات المتحدة تمويلها لـ«الأونروا» مطلع عام 2024، وذلك إثر اتهامات إسرائيلية طاولت عدداً محدوداً من موظفيها على خلفية أحداث السابع من أكتوبر -قبل أن تخضع الوكالة لاحقاً لتدقيق وتحقيقات بشأن تلك الادعاءات.
وبالعودة إلى تبنّي «مجلس السلام» القرارات الإسرائيلية، فهو أثار شعوراً بالخذلان في أوساط النازحين، الذين لمسوا فجوة كبيرة في نوعية المساعدات وكثافتها وآليات توزيعها بين «الأونروا» والمؤسّسات البديلة.
ويقول صالح عسلية، وهو أحد النازحين من مخيم جباليا إلى حي النصر، إن المدة التي عملت فيها «الأونروا» خلال الحرب «كانت الأفضل من ناحية انتظام وصول المساعدات ونوعية الطرود الغذائية».
ويضيف، في حديثه إلى «الأخبار»: «تمتلك الوكالة فهماً دقيقاً لحاجات النازحين واللاجئين، وقدرة هائلة على تفهّم حاجات كلّ شرائح المجتمع. وعلى صعيد التعليم والصحة، كانت مؤسّساتها الأكثر حرفية وإتقاناً وجودة في الخدمة، حتى في سنوات ما قبل الحرب، بما يفوق المؤسسات الحكومية والخاصة».
ويردف عسلية: «مجلس السلام يَظهر يوماً بعد آخر على أنه مجلس إسرائيلي صهيوني، يدافع عن إسرائيل وكأنها الضحية، ويتعامل مع الفلسطينيين في غزة بوصفهم المجرم ومرتكب الإبادة».
وكانت «الأونروا» تسدي خدماتها إلى نحو 1.7 مليون فلسطيني في غزة، فيما يعمل فيها قرابة 11 ألف موظف في القطاع. ويقدّم العاملون في مجال الرعاية الصحية عشرات آلاف الاستشارات الطبية أسبوعياً، إلى جانب خدمات المياه والنظافة والتعليم والمساعدات الإنسانية. إلا أن القيود الإسرائيلية تسبّبت في انحسار مستوى الخدمات إلى حدّه الأدنى؛ فالمدارس مشغولة بالنازحين، فيما لم تستطع الوكالة توفير بديل لإجلائهم إليه واستئناف العملية التعليمية بصورتها السابقة.
أيضاً، لا توفّر «الأونروا» أيّاً من المقدّرات اللازمة للعملية التعليمية، وذلك في ظلّ أزمة التمويل الحادّة والقيود على الحسابات البنكية. وفي هذا السياق، يقول مصدر في «الأونروا» في غزة، رفض الكشف عن هويته، لـ«الأخبار»: «لا تستطيع الوكالة في الوقت الحالي تقديم حتى مجرّد سبورة وطباشير ومقاعد دراسية. يجلس الطلاب والأطفال على الأرض والحصير، من دون أيّ إمكانات، ونعتمد في توفير ما يمكن توفيره على الجهود الشخصية والمبادرات المحلية».