طلب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب من الناخبين أن يتعاملوا مع انتخابات التجديد النصفي المقبلة كما لو أن اسمه موجود على ورقة الاقتراع. ويقول موقع "أكسيوس" إنهم، على ما يبدو، يفعلون ذلك فعلًا، لكن ليس بالضرورة بالطريقة التي يتمناها الرئيس.
فقبل نحو 5 أسابيع من انتخابات تحسم السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، تتكاثر مؤشرات القلق داخل الحزب الجمهوري مع تراجع شعبية ترمب واشتداد الضغوط المرتبطة بالأسعار و حرب إيران والرسوم الجمركية.
وتكمن المفارقة في أن الجمهوريين لا يزالون بحاجة إلى ترمب لحشد قطاع من الناخبين لا يتحرك بالحماسة نفسها حين يغيب اسمه عن البطاقة، لكنهم يدخلون المرحلة الأخيرة من الحملة فيما تتحول بعض سياساته إلى عبء على مرشحين يسعى بعضهم إلى قدر أكبر من المسافة عن البيت الأبيض.
وفي الخلفية، بدأت تظهر شقوق في التحالف الذي أوصل ترمب إلى الرئاسة، وإن ظلت قاعدته الأكثر ولاءً أشد تماسكًا من بقية ناخبيه.
شعبية تهبط واقتصاد يضغط
تختلف الاستطلاعات في حجم التراجع، لكنها تتقاطع عند اتجاه واحد. وتنقل صحيفة "هيل" عن استطلاع رويترز/إبسوس أن تأييد أداء ترمب هبط إلى 32%، بينما تراجع بين الجمهوريين من 82% إلى 73% خلال أسبوع واحد، مقارنة بـ91% بعد تنصيبه الثاني.
والأكثر لفتًا أن رضا الجمهوريين عن إدارته للاقتصاد هبط 24 نقطة منذ يناير/كانون الثاني، فيما تراجع رضاهم عن تعامله مع كلفة المعيشة 26 نقطة.
وفي استطلاع آخر نقلته نيوزويك عن صحيفة وول ستريت جورنال، أيد 37% أداء الرئيس مقابل 61% عارضوه، فيما وصف 65% وضع الاقتصاد بالسوء، وقال 60% إن سياسات ترمب الاقتصادية جعلته أسوأ. كما قال 11% ممن صوتوا له عام 2024 إنهم يندمون الآن على تصويتهم.
وتربط "هيل" هذا التراجع خصوصا بالاقتصاد وبحرب إيران وارتفاع أسعار الوقود، وهي عوامل يقول إستراتيجيون جمهوريون إنها قد تضعف حماسة بعض ناخبي الحزب مع اقتراب نوفمبر/تشرين الثاني.
ولا يبقى أثر هذه الأرقام حبيس استطلاعات الرأي الوطنية. ففي نقاش نشرته نيويورك تايمز، يقول الكاتب "إي جيه ديون" إن ترمب بات يضغط على الجمهوريين حتى في ولايات شديدة الميل إليهم، مستشهدًا بكانساس وإنديانا، حيث تراجعت شعبيته إلى الأربعينيات، بينما يواجه المزارعون كلفة الرسوم وارتفاع أسعار الأسمدة والديزل على خلفية الحرب مع إيران.
ويصف "أكسيوس" المشهد بلهجة أكثر قتامة، إذ يشير إلى أن ذراع الحزب الانتخابية في مجلس الشيوخ تطلب تمويلًا إضافيًا للدفاع عن مقاعد في ألاسكا وأيوا وأوهايو، وهي ولايات فاز بها ترمب بفوارق كبيرة عام 2024، فيما نقل تقرير كوك السياسي 15 سباقًا في مجلس النواب إلى اتجاه أكثر ملاءمة للديمقراطيين.
وينقل الموقع الإخباري عن مستشارين جمهوريين أوصافًا شديدة القسوة للمزاج الانتخابي، فيما يشير بعض شاغلي المناصب إلى ضرورة الابتعاد عن ترمب في ملفات بعينها. فمن أيوا إلى ولايات أخرى، بدأ جمهوريون يختلفون علنًا مع البيت الأبيض بشأن حرب إيران وسياسات الطاقة.
ومع ذلك، لا يقدم التقرير النتيجة باعتبارها محسومة. فمستشار لترمب يلفت إلى التفوق المالي للجمهوريين وإلى أن أمام الحزب أكثر من شهر لمحاولة تغيير المزاج إذا نجح في حشد قاعدته، فيما يحذر محللون آخرون من تحويل استطلاعات وطنية إلى توقع مباشر لسباقات تُحسم ولاية بولاية ودائرة بدائرة.
تحالف ترمب يتصدع
أما التصدع الأكثر حساسية، فتلتقطه "بوليتيكو" داخل قاعدة ترمب نفسها.
فالاستطلاع يميز بين الناخبين الذين يعرفون أنفسهم جزءًا من حركة " ماغا" وأولئك الذين صوتوا لترمب عام 2024 من دون الانتماء إلى نواته الأكثر ولاءً.
ومن بين ناخبي ترمب غير المنتمين إلى "ماغا" قال 52% إن كلفة المعيشة أصبحت الأسوأ التي يتذكرونها، بينما قال نحو نصف هذه الفئة إنهم إما لن يصوتوا لجمهوري في انتخابات التجديد النصفي أو لم يحسموا قرارهم بعد.
ومن بين من يرون أن كلفة المعيشة بلغت أسوأ مستوياتها، لم يقل سوى 53% إنهم سيختارون مرشحًا جمهوريًا إذا جرى الاقتراع فورًا.
وتقرأ "بوليتيكو" هذه الأرقام باعتبارها معضلة داخلية للحزب: قاعدة "ماغا" الصلبة ما تزال أكثر تسامحًا مع إدارة ترمب للاقتصاد، لكن الناخبين الذين انضموا إلى ائتلافه من خارجه باتوا أقرب في تشاؤمهم الاقتصادي إلى خصومه الديمقراطيين.
وفي نقاش "نيويورك تايمز" يذهب ديون إلى أبعد من ذلك، فيرى أن 3 من ركائز الخطاب الترمبي باتت تحت الضغط: رسوم أثارت غضب قطاعات زراعية وتجارية، وسياسات هجرة يعتقد أنها تجاوزت ما أراده جزء من الناخبين، ووعد بالابتعاد عن حروب الشرق الأوسط اصطدم بالحرب مع إيران. ومن هنا جاءت عبارته بأن "راية ماغا باتت ممزقة".
وماذا يبقى لـ2028؟
وهنا ينتقل النقاش من نوفمبر/تشرين الثاني إلى مرحلة ما بعد ترمب. ويرى كارني أن الرئيس أعاد تشكيل الحزب الجمهوري وأطاح بالإجماع المحافظ القديم الذي ظل قائمًا منذ عهد رونالد ريغان، لكنه لم يترك وراءه عقيدة سياسية متماسكة بالقدر نفسه، بل خلّف تيارًا شديد الارتباط بشخصه.
وفي هذا السياق يبرز "جي دي فانس" نائب الرئيس. فكارني يرى أنه يحاول صوغ نسخة أكثر تماسكًا من الترمبية، تقوم على القومية الاقتصادية وإعادة التصنيع، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن قربه الشديد من ترمب يحد من قدرته على رسم خط مستقل عنه، خصوصًا أن انتقاده للرئيس قد يهدد موقعه داخل القاعدة ذاتها التي يحتاجها.
أما ديون فينقل انطباعًا مختلفًا من بعض الجمهوريين المحليين الذين التقاهم: قدر من الإرهاق، ورغبة لدى بعضهم في أن يهتز الحزب بما يكفي ليفتح الباب أمام سياسة "أكثر طبيعية" وأقل تمركزا حول شخص واحد.