كان بإمكان وزير (الحرب) يسرائيل كاتس ان يخصص خطابه في هذا الأسبوع في مراسم احياء ذكرى ضحايا حرب يوم الغفران للامر المشترك بين أكتوبر 1973 و أكتوبر 2023. كان بإمكان كاتس على الأقل أن يلمح لدور الحكومة، التي كان عضو في المجلس الوزاري الامني المصغر لها، والتقصير الذي مكن من حدوث السابع من أكتوبرفي غلاف غزة قبل ثلاث سنوات.
كان يمكن الحديث عن ضرورة تعلم الدروس المهنية، وعن واجب تجنب تكرار الأخطاء التي أدت الى اكبر هزيمة في تاريخ "الدولة"، أو ربما التركيز على معاناة ضحايا 7 أكتوبر السابقة في الذكرى الـ 53 لها.
لكن كاتس لم يفعل أي شيء من ذلك بالطبع، وكعادته هاجم وزير الدفاع الاعداء وهدد بالانتقام منهم، ايران وتركيا، وخاصة حماس. وحذر بقوله انه “في حالة اختطاف جندي إسرائيلي أو مواطن إسرائيلي، سيتم تدمير مدينة غزة بالكامل، بابراجها وبيوتها، وسيتم اخلاء سكانها الذين يبلغ عددهم مليون نسمة، وارسالهم نحو الجنوب، وستعالج بنفس الطريقة التي عولجت بها رفح وبيت حانون” – المدينتان اللتان كادت إسرائيل أن تقوم بمحوها عن بكرة ابيها. وللمرة الثانية ظهر وزير الدفاع وكأنه يغار من سلفه يوآف غالنت ويتوق الى تسجيل اسمه في قائمة مذكرات الاعتقال التي أصدرتها محكمة الجنايات الدولية في لاهاي.
بعد الخطاب سارع شخص الى تسريب تقرير الى وسائل اعلام موالية حول خطة حماس لاختطاف جنود في شمال القطاع. وكالعادة، يوجد أساس استخباري لهذه المخاوف. وكالعادة أيضا، يبدو انه مبالغ فيها، من اجل خلق ضجة سياسية قبل الانتخابات.
في نفس اليوم جرت عملية مشابهة حول زيارة رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لالقاء خطاب في الجمعية العمومية للأمم المتحدة في نيويورك، فقد اضطر نتنياهو الى حصر زيارته في 24 ساعة، وحتى وقت كتابة هذه السطور، فشل في اقناع الرئيس ترامب بالالتقاء معه، وهو اللقاء الذي كان من المفروض ان يتيح فرصة إعلامية حاسمة لحملته الانتخابية.
ما العمل اذا؟ يزعم المسربون ان معلومات تهديدية كشفت عن نية المس بنتنياهو – في نيويورك، حيث انتشرت قوات الامن التابعة لشرطة المدينة بكاملها، محيطة بعشرات من حراس الامن التابعين لجهاز الشباك، لذلك قطعت الزيارة. ولاكمال الصورة يتفاخرون بسلسلة من اللقاءات السريعة مع رؤساء دول في أمريكا الجنوبية، ويبررون ذلك بان نتنياهو في الواقع يسارع في العودة الى البلاد من اجل الاحتفال بعيد المظلة على ارض "إسرائيل".
في المقابل، لا يشير نتنياهو أو أي وزير آخر الى ما اصبح واضحا بشكل متزايد كتهديد خطير لمكانة إسرائيل الدولية: التراجع الكبير في دعم الشعب الأمريكي لها. فعلى خلفية الحرب في غزة، التي تظهر كحدث تاريخي، يعاد تشكيل علاقات جيل كامل في الولايات المتحدة تجاه إسرائيل والشرق الأوسط. هذه ظاهرة تتجاوز الانتماءات الحزبية، وان كانت واضحة اكثر بين الناخبين للحزب الديمقراطي.
اظهر استطلاع لـ “سي.ان.ان” في هذا الشهر تحول جذري خلال ثماني سنوات: انخفاض بـ67 نقطة في غير صالح إسرائيل، في مؤشر التعاطف العام (الفرق بين من لديهم موقف إيجابي ومن لديهم موقف سلبي)، من 51 نقطة تعاطف الى 16 نقطة لديهم رأي سلبي. يكاد هذا الامر لا يناقش، ويواصل نتنياهو الترويج لصداقته المزعومة مع ترامب، وهي الصداقة التي بدأت تظهر فيها تصدعات منذ زمن، وتزداد عمقا مع ازدياد تعقيد المغامرة المشتركة لهما في الخليج الفارسي.
👈أوقات عصيبة
هناك أيضا اخطار حقيقية تتربص على ارض الواقع، لكن حملة الليكود اكثر من تحركات نتنياهو السابقة، تظهر مرونة كبيرة في التعامل مع الواقع. في هذا الأسبوع قتل المواطن الإسرائيلي نتنئيل شيكرون من مستوطنة عيلي زهاف برصاص فلسطيني في نبع في شمال رام الله، وفي حادثة أخرى قتل جندي الاحتياط نيريا ليتر في عملية دهس بسيارة قرب حاجز مكابيم.
يخشى الجيش من تحركات أخرى يقوم بها "ارهابيون" افراد، وموجة من هجمات المحاكاة، بعد نشر الفيديو الذي يوثق عملية الدهس. يأتي هذا ضمن سلسلة من الضربات الاستباقية المرتبطة بمواعيد محددة: الانتخابات في 27 تشرين الأول، أعياد تشرين وموسم قطف الزيتون، وذلك في ظل تصاعد حاد في الهجمات العنيفة التي يشنها المستوطنون المتطرفون.
وكجزء من الاستعدادات الطارئة التي تم التخطيط لها مسبقا، امر رئيس الأركان، ايال زمير، في يوم الثلاثاء بنشر فرقة عسكرية أخرى في الضفة الغربية. وستتولى فرقة "يهودا والسامرة" (الضفة الغربية) مسؤولية المناطق الواقعة في شمال القدس، في حين ستتولى الفرقة 98، وهي فرقة احتياط نخبوية، مسؤولية منطقة بيت لحم والخليل.
وخلافا لما قد يفهم، لا يوجد حاليا أي نقل كبير للقوات هنا. ان مقر الفرقة هو الذي سيصل الى الضفة الغربية وليس الوحدات فيها، والهدف هو تخفيف بعض العبء عن فرقة "يهودا والسامرة"، المسؤولة عن قطاع واسع جدا. السؤال هو كم سيستغرق الامر حتى يتعرف المقر الجديد للفرقة على الوضع ويتعود على العمل الاستخباري الذي ينفذ في معظمه من قبل الشباك؟. وماذا سيكون اسهامها الفعلي بخلاف اثبات ان هناك “تحرك معين” في ظل تصاعد التوتر؟.
👈مخدر الحرب
في خطاباتهما، بدءا بمراسم احياء الذكرى ومرورا بافلام الفيديو الانتخابية وانتهاء بمنصة الأمم المتحدة مساء أمس، يصف نتنياهو وكاتس "إسرائيل" بانها دولة نهضت بفضلهما من أحداث 7 أكتوبر (التي حدثت في عهد حكومة مجهولة)، ومنذ ذلك الحين اعادت ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية تفرض ارادتها على كل جيرانها. ويجد العميد المتقاعد آساف اوريون، من معهد بحوث الامن القومي في جامعة تل ابيب، صعوبة في الاقتناع بهذا الطرح.
صرح اوريون، الرئيس السابق لقسم الاستراتيجيا في هيئة الأركان العامة، لصحيفة “هآرتس” ان نتنياهو ووزراء حكومته يتحدثون عن “مفهوم امني” انهار كما يبدو امام هجوم حماس، وبالتالي، استبدل بمفهوم آخر. عمليا، لم تطبق المباديء الأساسية للمفهوم السابق، ومنذ ذلك الحين اعتمدنا على مفهوم بديل بدون أي نقاش حقيقي وبدون اعتراض. ليس من الغريب اذا ان يتحدث بتسلئيل سموتريتش وامثاله عن فترة معجزة: فمن ناحيتهم تم تمهيد الطريق لهزيمة حماس بعد المذبحة. في الضفة الغربية هناك حملة حكومية واضحة تجري لضم وطرد وتنفيذ خطة الحسم، التي تدار من الطابق الـ 15 في وزارة الدفاع (حيث يوجد مكتب سموتريتش، الوزير الثاني في وزارة الدفاع والمسؤول عن الضفة الغربية).
وحسب اقوال سموتريتش فانه “على الجبهات الأخرى نحتل مناطق امنية ونحمي الحدود من أراضي الدول المجاورة ونتحدث عن حرب مستمرة. في بداية الحملة قال نتنياهو ان الأموال لن تكون مشكلة، لكن في الواقع تخوض إسرائيل حرب شرسة تتجاوز قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على التحمل والإنتاج وتستنزف القوة العاملة في نظام الاحتياط الى اقصى حد. في الواقع ما كانت الحرب التي استمرت ثلاث سنوات ستكون ممكنة لولا ترسانة السلاح الأمريكي، التي من المشكوك فيه ان تتوفر لنا في المستقبل.
“حتى اليوم يوقف ترامب هجمات الجيش الإسرائيلي المخطط لها بمكالمة هاتفية، يتحدث نتنياهو عن “سوبر اسبرطة”، لكن جزء كبيرا من سلاسل الامداد يوجد خارج حدود البلاد. بالكاد يسالون اذا كان المفهوم الجديد يندرج ضمن اطار مواردنا المتاحة. في النهاية من الواضح انه بعد الانتخابات ستظهر الحقائق، وعندها ستكون حاجة الى رفع الضرائب”.
في السابق عندما كنا ننخرط في التخطيط الاستراتيجي كنا نتساءل: سنشن عملية عسكرية، وماذا سيحدث بعد ذلك؟ وما هي التكلفة التي سندفعها؟ وكيف نحول التحركات العسكرية الى إنجاز سياسي؟. اما الان نحن نخوض الحرب وكأنه لا توجد أي قيود. الامر يشبه تطوير طائرة بدون مراعاة الجاذبية. يقول اوريون ان مزيج صدمة 7 أكتوبر والتلاعبات السياسية دفع الجيش الإسرائيلي الى تآكل المعايير والقيم، وجعل المجتمع الإسرائيلي في حالة لامبالاة تجاه تكلفة الحرب، بما في ذلك الخسائر في الأرواح التي تتكبدها إسرائيل. الحرب تشبه المخدر: تزيد من حماسة العامة وتخدر مشاعرهم تجاه التكلفة.
لقد قمنا بتبني منطق يشبه المنطق المغولي على طريقة جنكيز خان: لن تكون هناك بلدات وقرى في لبنان وفي غزة قرب الحدود، وعندها لن يختبيء الإرهاب وراء مواطنيها. هذا اصبح المعيار. هدف الحرب هو النصر المطلق، كافق لا يمكن الوصول اليه. هذا يخلق بالفعل حرب لا نهاية لها، وهو امر مفيد سياسيا للحكومة، لانه يحد من الاحتجاج والانتقاد بذريعة “اصمت، هم يطلقون النار”.
عندما يجتمع نتنياهو مع هيئة الأركان العامة ليرفع النخب قبل رأس السنة العبرية، يتحدث عن هدف اسقاط النظام في ايران، ولم يعد يتحدث عن تهيئة الظروف التي تسمح بذلك في المستقبل، على المدى البعيد. اذا كانت الإنجازات كبيرة كما يقول، فلماذا تستمر الحرب على جبهات كثيرة وتتضخم النفقات الأمنية الى مستويات قياسية بطريقة قد تقوِّض أسس قوتنا الوطنية.
-------------------
المصدر: هآرتس
بقلم : عاموس هرئيل
التاريخ: 27\9\2026