عشية الانتخابات الإسرائيلية المقرّرة في 27 تشرين الأول المقبل، تتصاعد التصريحات المفرطة في العدوانية تجاه قطاع غزة، مجلّيةً اشتداد التنافس على تصدير المواقف الأكثر تشدّداً، والتي تدغدغ طموحات الجمهور الإسرائيلي، المتطلّع بأغلبيته إلى أقصى مستويات الإجرام والدموية في التعاطي مع القطاع.
وفي أحدث انعكاسات هذا الخطاب، هدّد وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، في تصريح أول من أمس، بإعادة احتلال مدينة غزة وتهجير سكانها، إذا ما أقدمت المقاومة الفلسطينية على اختطاف جندي أو «مدني» إسرائيلي.
وحذّر كاتس «(حركة) حماس وداعميها، من إيران إلى (الرئيس التركي رجب طيب) إردوغان: إذا اختُطف جندي أو إسرائيلي واحد، فسنُخلي سكّان مدينة غزة بأكملها، البالغ عددهم مليون شخص، إلى الجنوب، وسندمّر منازل المدينة والأبراج المتبقّية فيها، كما فعلنا في عملية "عربات جدعون 2". وستُعامَل المدينة بالطريقة نفسها التي عوملت بها رفح وبيت حانون و70% من مساحة غزة».
وأضاف كاتس: «هذه هي اللغة التي تفهمها التنظيمات "الإرهابية" الجهادية في غزة ولبنان، وهي اللغة التي نتحدّث بها: إخلاء السكان، وتدمير البنى التحتية، والسيطرة على الأرض». كذلك، جدّد كاتس التمسّك بـ«الخطوط الحمر» التي ترسمها حكومته في التعاطي مع غزة، قائلاً:
«لن ننسحب من الخطّ الأصفر إلى خطوط تمركز جديدة داخل القطاع،
ما دامت حماس موجودة ولم يُنزع سلاحها وتُفكك أنفاقها».
بالتوازي، صدرت عن رئيس حزب «أبيض أزرق»، بيني غانتس، تصريحات مماثلة، قال فيها: «إننا سنحتلّ مدينة غزة ونهجّر أهلها على كلّ الأحوال»، علماً أن غانتس فشل، حتى اللحظة، في تجاوز نسبة الحسم أو العتبة الانتخابية التي تؤهّله لدخول «الكنيست».
وقُرئت تصريحات كاتس، التي عُلّقت التهديدات المضمّنة فيها على «إذا»، بصور متباينة: بين مَن اعتبرها جديّة وممهِّدة للانتقال إلى ذروة الفعل الميداني العنيف، وبين مَن وضعها في سياق التنافس الانتخابي. ورغم أن نفي جيش الاحتلال تسجيل مؤشرات ميدانية على نية «حماس» تنفيذ عمليات أسر جنود أو مستوطنين، وكذلك نفي «حماس» وجود نيّة كهذه، يعزّزان الاحتمال الثاني، فإن الواقع الميداني الحالي يشير بالفعل إلى عزم إسرائيلي على الانتقال إلى مستوى أعلى من الهجمات على القطاع، ربّما انطلاقاً من تلك الذريعة؛ وهذا ما نبّهت إليه «حماس» نفسها بقولها إن «إسرائيل تستعدّ لعمل عدواني يتضمّن هجوماً على أصول مدنية وحكومية في قطاع غزة».
والواقع أنه منذ ثلاثة أسابيع، يتكثّف الجهد الاستخباري الإسرائيلي في القطاع، حيث تُواصل مختلف أنواع طائرات الاستطلاع والتجسّس إطباقها على المناطق الغربية من مدينة غزة، وتحديداً في مربع «مستشفى الشفاء»، الذي لا يُستبعد أن يكون هدفاً لعملية ما.
كذلك، يتزامن ارتفاع منسوب التهديدات مع تصعيد ميداني ملحوظ في مناطق القطاع كافة. إذ تنفّذ طائرات الاحتلال المسيّرة يومياً عمليات اغتيال في الحواضر المكتظّة بالنازحين، فيما تتكثّف بيانات التفاخر بتلك العمليات التي يصدرها نتنياهو وكاتس بصورة مشتركة، وآخرها بيان صادر أمس، أعلن اغتيال عدد من المسؤولين والقادة في «كتائب القسام»؛ علماً أن هذا النمط من الاستهداف أدى إلى ارتفاع متوسّط عدد الشهداء من ثلاثة يومياً إلى نحو ثمانية.
يمكن قراءة التهديدات الإسرائيلية
في إطار إبقاء هاجس عودة الحرب بوتيرتها المكثفة
في هذا الإطار، يرى الكاتب والمحلل السياسي، أحمد الطناني، أن «هناك تهيئة إسرائيلية واضحة للتصعيد، في ما ينسجم تماماً مع مؤشرات الميدان وحجم الجهد الاستخباراتي وأماكن تركزه»، مرجّحاً، في حديثه إلى «الأخبار»، أن يكون «العدو في طور التجهيز لعملية أمنية كبيرة وصارخة في القطاع، تستهدف منشأة مهمّة بالمعنى المدني أو الحكومي، ويمكن أن تتدحرج تباعاً، في ضوء نتائجها، إلى عملية عسكرية».
ويعتقد الطناني أن تصريحات كاتس بشأن «الخطف» تشكّل «تمهيداً لفكرة عملية قد تبدأ محدودة ثمّ تتوسع سريعاً بفعل التطورات العملياتية، أو لشنّ هجوم تقدّمه حكومة الاحتلال باعتباره استباقياً، وذلك في ضوء العقيدة الأمنية التي تبلورت بعد 7 أكتوبر، والتي يروّج الاحتلال، استناداً إليها، لأيّ تحرك عسكري باعتباره تطبيقاً لقاعدة إحباط الخطر والقضاء عليه» قبل ظهوره.
وبحسب قراءة الطناني، فإن قرار التصعيد إلى حدود قصوى «قد اتُّخذ في الاجتماع مع قيادة المنطقة الجنوبية والاستخبارات العسكرية، وذلك بحضور رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو ورئيس الأركان إيال زامير، فيما يجري العمل حالياً على تهيئة الظروف الميدانية والسياسية لتنفيذه». وعليه، «قد تكون الأسابيع المقبلة، وخصوصاً مطلع تشرين الأول، مفتوحة على تطورات متسارعة»، وفقاً للطناني.
ولا تنحصر دلالات التهديدات الإسرائيلية بإمكان تنفيذ عملية عسكرية واسعة؛ إذ يمكن قراءتها أيضاً في إطار صناعة حال مستمرّة من اللّايقين، وإبقاء هاجس عودة الحرب بوتيرتها المكثفة حاضراً في وعي سكان القطاع. إذ من شأن تعزيز هذا الوعي، وفق الحسابات الإسرائيلية، أن يدفع الغزيين إلى التمسّك بالوضع القائم -رغم كلفته- باعتباره أقلّ سوءاً من عودة الإبادة الواسعة، ويحدّ من رفع سقف المطالب المتعلّقة بإعادة الإعمار ووقف الاغتيالات والانسحاب من القطاع.
في هذا الوقت، خرج قادة «مجلس السلام»، الذي لم تَثبت إلى الآن أي فاعلية له، بتصريحات مغايرة نسبياً للتوجه الإسرائيلي، وذلك في أعقاب اجتماع عقده المجلس في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، حضره ممثلون عن 35 دولة، وشاركت فيه شخصيات بارزة، منها المبعوثان الأميركيان جاريد كوشنر وستيف ويتكوف، والممثل الأعلى لـ«مجلس السلام» نيكولاي ملادينوف، وعضو اللجنة التنفيذية للمجلس ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، ورئيس «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» علي شعث، وقائد «قوة الاستقرار الدولية» الجنرال الأميركي جاسبر جيفرز.
وأكد بلير أن هناك إجماعاً دولياً على إنهاء الحرب على غزة، فيما قال كوشنر إن تحقيق هدف ازدهار القطاع يتطلّب نزع السلاح بالكامل، وهو ما وافقت عليه حركة «حماس». وأضاف أن «خطة السلام» المكوّنة من 20 بنداً واتفاق شرم الشيخ خفّضا حدة التصعيد، لكنهما لم يحلّا المشكلة بالكامل، مشيراً إلى «(أننا) نواصل العمل يومياً على تطوير خطة غزة وتحسينها، رغم التأخير الذي يواجه بعض جوانب التنفيذ».
أمّا ملادينوف فكشف عن وجود خطة للتعافي وإعادة إعمار قطاع غزة ونزع السلاح، تبلغ تكلفتها مليارين و450 مليون دولار، موضحاً أن العمل الجاري بالتعاون مع الوسطاء في مصر وتركيا وقطر أثمر «التزاماً بإدارة المرحلة الانتقالية وإجراءات تسليم السلاح وفق خارطة طريق محدّدة، وضمن إطار قرار مجلس الأمن وخطّة العشرين نقطة».
وأشار إلى أن «اللجنة الوطنية» باتت جاهزة لإدارة غزة، وأنه جرى تدريب المفوضين الـ12 وطواقم العمل الميدانية للتولّي التدريجي للخدمات والشؤون المالية والأمنية. كما أكد أن العملية ستمضي خطوة بخطوة وبآلية تحقّق دقيقة، من دون التقيّد بجدول زمني صلب، معتبراً أن الإدارة الانتقالية تشكّل جسراً نحو إصلاح السلطة الفلسطينية وإيجاد أفق سياسي دائم. بدوره، أعلن شعث تقديم خطّة عمل عاجلة تضمّ 71 برنامجاً تنموياً وإغاثياً، بسلّم أولويات يمتدّ لستة أشهر، ويهدف إلى معالجة الأوضاع الفوضوية في القطاع وإطلاق عمليات التعافي الشامل.
أمّا جيفرز، فكشف تفاصيل آلية عمل «قوة إرساء السلام»، مشيراً إلى أنها ستنفّذ مهامها الميدانية بشكل متدرّج. وأوضح المتحدث، خلال المؤتمر، أن القوة ستركّز، في المرحلة الأولى، على التعامل مع مسألة السلاح والأنفاق والمنشآت العسكرية، مع العمل تحت مظلّة «اللجنة الوطنية»، بما يمهّد لتسليم الأخيرة زمام السيطرة الكاملة على القطاع. وأضاف أن هذا التسليم سيتزامن مع انسحاب القوات الإسرائيلية، في وقت تستمرّ فيه عملية التثبّت الميداني، التي قد تستغرق طويلاً.
على أن تنفيذ كلّ تلك الخطط والمشاريع دونه عدّة عقبات، على رأسها ربط مسار الإعمار بحصر سلاح المقاومة، الذي يظلّ مرتبطاً بدوره بحلّ مجموعات العملاء والانسحاب الإسرائيلي من غزة.
وعلى أيّ حال، فإن هذا المسار يبدو، بحسب موقع «أكسيوس» الأميركي، مؤجّلاً بكامله إلى حين انتهاء الانتخابات الإسرائيلية، والتمكّن أساساً من حشد التمويل اللازم له.