قائمة الموقع

قرأءة في خارطة الإنقاذ الوطني... من يريد بناء البيت الفلسطيني ومن يريد إبقاء مفاتيحه بيده؟.

2026-09-14T13:46:00+03:00
يوسف أبو سامر موسى*

في لحظة فلسطينية بالغة التعقيد والخطورة، وفي ظل حرب الإبادة على قطاع غزة، وتصاعد مشاريع الضم والتهجير وتصفية القضية الفلسطينية، جاء طرح الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين –مشكورين-  مبادرتهم  السياسية تحت عنوان: "خارطة طريق من أجل الإنقاذ الوطني" دعت من خلالها إلى فتح نقاش فلسطيني واسع حول مضامينها، وصولاً إلى صياغة رؤية وطنية جامعة تنهي الانقسام، وتعيد بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة والتعددية.

وبعيداً عن الموقف الفصائلي من المبادرة فإن أهميتها تكمن في أنها تطرح من جديد السؤال الأكثر إلحاحاً، كيف يمكن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، ومنظمة التحرير تحديداً بحيث تستعيد دورها التمثيلي والوطني؟

أولاً: الحوار الوطني الشامل

تنطلق الخارطة من فتح حوار وطني شامل لا يقتصر على الفصائل بل يشمل مختلف القوى والشخصيات والمؤسسات والاتحادات والمكونات الفلسطينية وهذه نقطة أساسية، لأن الأزمة الفلسطينية لم تعد مجرد خلاف بين فصيلين أو أكثر، وإنما أصبحت أزمة في بنية النظام السياسي، وآليات اتخاذ القرار والتمثيل الوطني.

ثانياً: اجتماع الأمناء العامين

تقترح المبادرة عقد اجتماع للأمناء العامين للقوى والفصائل الفلسطينية، بهدف البحث في إدارة الصراع مع الاحتلال وتحديد أشكال النضال والمقاومة ومواجهة مشاريع الضم والتهجير وإنهاء الانقسام والاتفاق على قواعد الشراكة الوطنية..

وهنا يمكن البناء على إطار الأمناء العامين باعتباره منصة سياسية جامعة يمكن تطويرها بدلاً من إنشاء أطر جديدة في كل مرة.

ثالثاً: استراتيجية وطنية موحدة

لا يمكن مواجهة المشروع الإسرائيلي بمواقف فلسطينية متفرقة، لذلك تأتي الخطوة التالية في بلورة استراتيجية وطنية موحدة وبرنامج سياسي مشترك، بحيث تصبح القرارات الوطنية نتاجاً للتوافق والشراكة لا نتاجاً لقرار فصيل أو مؤسسة منفردة، أو مسؤول.

رابعاً: إعادة بناء منظمة التحرير

وهذه ربما تكون العقدة المركزية في الخارطة كلها، إذ أن المطلوب اليوم ليس مجرد إعادة تفعيل مؤسسات قائمة، وإنما إعادة النظر في بنية منظمة التحرير نفسها بما يعيد إليها صفتها الجامعة والممثلة للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. فالمنظمة التي تأسست لتكون الإطار الوطني الجامع لا يمكن أن تبقى خارجها قوى فلسطينية وازنة ومؤثرة ثم يُطلب منها في الوقت نفسه أن تمثل الشعب الفلسطيني بأكمله.

خامساً: إعادة تشكيل المجلس الوطني

تطرح المبادرة تشكيل مجلس وطني جديد يمثل الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، وهنا تبرز أهمية أن يكون المجلس الوطني هو المؤسسة التي تعكس حقيقة التعدد الفلسطيني لا مجرد مؤسسة تقوم على التفرد والتعيين أو المحاصصة أو ترتيبات مرحلية.

سادساً: حكومة توافق وطني انتقالية

تقترح الخارطة تشكيل حكومة توافق وطنية انتقالية تكون مهمتها الأساسية توحيد المؤسسات الفلسطينية وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتهيئة الظروف لإجراء الانتخابات...

وهذا يعني أن الحكومة الانتقالية ينبغي ألا تتحول إلى بديل دائم عن الشرعية الانتخابية.

سابعاً: انتخابات فلسطينية متزامنة

وهنا تصل الخارطة إلى استحقاقها الأهم انتخابات رئاسية وتشريعية وانتخابات للمجلس الوطني بصورة متزامنة قدر الإمكان، فالانتخابات ليست مجرد استحقاق إجرائي وإنما وسيلة لإعادة إنتاج الشرعية الفلسطينية على أساس شعبي حقيقي...

والأهم أن تشمل العملية السياسية فلسطينيي الداخل والشتات لأن الشعب الفلسطيني لا يُختزل في سكان الضفة الغربية وقطاع غزة.

ثامناً: إنهاء منطق الإقصاء

اذ لا يمكن بناء نظام سياسي فلسطيني جديد بالمنطق القديم نفسه المطلوب الانتقال من الإقصاء إلى الشراكة و من التفرد إلى التوافق و من المحاصصة الفصائلية إلى التمثيل الشعبي و من الشرعية القائمة على الماضي إلى شرعية متجددة عبر الانتخابات.

تاسعاً: حماية الحريات وسيادة القانون

أي إعادة بناء للنظام السياسي تحتاج إلى بيئة ديمقراطية حقيقية تقوم على احترام الحريات السياسية والإعلامية والنقابية واستقلال القضاء وسيادة القانون فلا يمكن المطالبة بإعادة بناء منظمة التحرير من دون إعادة بناء الثقافة السياسية الفلسطينية على قاعدة قبول الآخر والشراكة والتعددية.

عاشراً: آلية تنفيذ ومتابعة

المشكلة الفلسطينية لا تكمن دائماً في نقص المبادرات والأفكار، وإنما في غياب آليات التنفيذ. لذلك فإن أي اتفاق وطني جديد يحتاج إلى جدول زمني واضح ولجنة متابعة، وآليات تنفيذ اضافة لمساءلة سياسية!..

وإلا فإن المبادرة قد تنضم إلى عشرات المبادرات السابقة التي بقيت حبراً على ورق.

ولكن... هل تكفي الخارطة وحدها؟

هنا السؤال الأهم، إن خارطة الإنقاذ الوطني يمكن أن تشكل نقطة بداية مهمة لكنها لن تنجح إذا بقيت معالجة الأزمة الفلسطينية محصورة في إعادة توزيع المواقع داخل النظام السياسي، المطلوب أعمق من ذلك ونحن أمام سؤال جوهري:

ما هو المشروع الوطني الفلسطيني الذي ستديره منظمة التحرير بعد إعادة بنائها؟

هل المطلوب إعادة إنتاج الواقع السياسي القائم مع توسيع المشاركة فقط؟

أم إعادة صياغة البرنامج الوطني الفلسطيني بما يحافظ على الثوابت وفي مقدمتها حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وحق العودة ورفض التهجير ومقاومة الاحتلال بكل الوسائل التي يقرها القانون الدولي؟

ومن هنا تحديداً، يجب ألا تتحول الانتخابات إلى غاية بحد ذاتها، بل إلى وسيلة لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات والبرنامج الوطني.

المطلوب استكمال الخارطة لا إسقاطها

من وجهة نظري فإن القيمة الحقيقية للمبادرة تكمن في إمكانية تحويلها إلى ورقة وطنية أوسع من الجبهة الشعبية نفسها، ويمكن تطويرها بالاستناد إلى ما تراكم من تجارب الحوار الفلسطيني ولا سيما توصيات الحوارات السابقة مثل حوارات القاهرة وروسيا والصين وغيرها،  وإطار الأمناء العامين، وصولاً إلى اتفاق على:

1. إعادة بناء منظمة التحرير.

2. إعادة تشكيل المجلس الوطني على أساس التمثيل الحقيقي.

3. الاتفاق على برنامج سياسي وطني.

4. توحيد المؤسسات الفلسطينية.

5. تشكيل حكومة انتقالية محددة المدة.

6. تحديد موعد ملزم للانتخابات.

7. إجراء انتخابات متزامنة المجلس الوطني والرئاسة والتشريعي.

8. ضمان مشاركة فلسطينيي الشتات.

9. اعتماد الشراكة السياسية والتعددية.

10. وضع آليات تنفيذ ومحاسبة لا تسمح بإعادة إنتاج الانقسام.

بالمحصلة: إن الإنقاذ الوطني الفلسطيني لا يبدأ من السؤال من يحكم؟ بل من السؤال: كيف نعيد بناء البيت الفلسطيني؟ و منظمة التحرير هي سقف هذا البيت. ولذلك فإن المطلوب ليس المحافظة على شكل المنظمة فقط وإنما استعادة وظيفتها التاريخية باعتبارها الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني أينما وجد.

أما الانتخابات فهي الطريق إلى تجديد الشرعية، والحوار هو الطريق إلى التوافق، وإعادة بناء المنظمة هي الطريق إلى استعادة الإطار الجامع، والاستراتيجية الوطنية الموحدة هي الطريق إلى تحويل كل ذلك من ترتيبات داخلية إلى مشروع وطني قادر على مواجهة الاحتلال ومشاريع تصفية القضية الفلسطينية.

فالمرحلة لا تحتمل إدارة الانقسام، وإنما تحتاج إلى إنهائه، ولا تحتمل ترميم القديم، وإنما تستدعي إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة "الثوابت الوطنية الحقيقية"والشراكة والتمثيل الحقيقي.

--------------------

*باحث وكاتب سياسي / فلسطين

الاحد 13 أيلول 2026

اخبار ذات صلة