على رغم انشغال الغزيين بهموم الحياة اليومية، وتداعيات حرب الإبادة التي عاشها القطاع على مدى ثلاث سنوات، لم تَغب عن دائرة اهتمامهم تطورات الأوضاع في اليمن، حيث استطاعت «أنصار الله» السيطرة على كامل الساحل الغربي وإحكام قبضتها على باب المندب. بالنسبة إلى شريحة واسعة من الفلسطينيين في القطاع - سواء كانوا من مؤيّدي المقاومة أو منتقديها -، بات اسم «أنصار الله» مرتبطاً بحرب الإسناد التي دخلتها الحركة دعماً لغزة، والتي خلّفت في نفوس الفلسطينيين قدراً كبيراً من الامتنان والتقدير.
وعليه، لم تبدُ مُستغرَبة موجة التضامن الواسعة مع صنعاء، والتي لم تشذّ منها سوى أصوات سلفية وتكفيرية أو أخرى محدودة الحضور والتأثير استدعت التاريخ وتنكّرت للحاضر القريب وبنت موقفها على أساس حقدها على حركة "حماس".
هكذا، توحّدت العشرات من المنشورات والكتابات على مواقع التواصل الاجتماعي، في انتقاد الحملة الإلكترونية الطائفية التي شارك فيها دعاة ومشهورون، عمدوا إلى توحيد صورهم الشخصية باللباس اليمني. وهاجم الناشط الغزّي أبو أميمة تلك الحملة، منتقداً انشغال مشايخ ومفكرين بالتحريض على «أنصار الله»، بدلاً من مواجهة إسرائيل ومساندة الفلسطينيين. ورأى، في منشور آخر على «فيسبوك»، أنه "عندما عجزت أميركا وإسرائيل عن مواجهة المجاهدين في اليمن لأسباب أمنية وجغرافية، حرّكوا وكلاءهما وعملاءهما في الجوار ليخوضوا المعركة الخاسرة".
من جهته، استحضر الناشط أيمن الحافي مهاجمة الناطق باسم «كتائب القسام»، أبو عبيدة، غير مرّة، المتخاذلين عن غزة، في مقابل توصيفه اليمنيين بـ"إخوان الصدق"، معلناً رفضه الوقوف في صفّ الأوّلين ضدّ الأخيرين. كما هاجم، في منشور آخر، الداعية أدهم شرقاوي، بعدما شارك الأخير في الحملة ضدّ «أنصار الله» بصورة مُصمَّمة بالذكاء الاصطناعي ظهر فيها بالزيّ اليمني، متسائلاً عن موقف القوى التي يدافع عنها المذكور من إسرائيل ومن إسناد غزة. وكتب مخاطباً شرقاوي: «الناس اللي وصفهم الملثم بأنهم إخوان الصدق، ولولا المسافات والله لا أشك إنهم كانوا معنا في القطاع (...) هؤلاء هم أعداؤك الرافضة يا شرقاوي؟»، مستعيداً تعهّدات صنعاء بعدم إيقاف جبهة الإسناد ما لم تتوقّف الحرب على غزة.
بالنسبة إلى شريحة واسعة من الفلسطينيين في القطاع،
بات اسم «أنصار الله» مرتبطاً بحرب الإسناد
أمّا الناشط السياسي محمد شكري، فذهب أبعد في انتقاده الموقف الفلسطيني والعربي من التطوّرات اليمنية؛ وكتب عبر قناته على «تلغرام»: «نحن الذين زهدوا في ذكر الذين اشترونا لأجل الحفاظ على مشاعر الذين باعونا، نحن الذين زهدوا في ذكر الذين ضحّوا لأجل الحفاظ على عمقنا لدى الذين خذلوا، نحن الذين زهدوا في الذين قاوموا لأجل مصالحنا لدى الذين طبّعوا».
وفي تعليقه على مواقف الداعية علي الصلابي، انتقد شكري تقديم الاستقطاب المذهبي على حساب قضية فلسطين، قائلاً إن «الصلابي يريد صنعاء، وآخران يريدان بيروت وطرابلس، وبعضهم يريدون القاهرة ومسقط، وغزة لا بواكي لها»، قبل أن يضيف ساخراً: «علينا أن نفكّ الأمّة الحبيسة قبل أن نقاتل في معركة غزة وفلسطين»، معتبراً أن الطريق المطروح لذلك ليس سوى «المزيد من المعارك المذهبية والطائفية» ورفع منسوب الاستقطاب. وفي منشور آخر، قارن شكري بين حدّة الخطاب الموجّه ضدّ اليمنيين وغياب خطاب مماثل تجاه إسرائيل، معتبراً أنه «لو اقتصر الأمر على صراع نفوذ أو خلاف تاريخي لأمكن فهمه في هذا الإطار، إلا أن تجاهل التهديد الإسرائيلي، في مقابل استحضار الصراعات المذهبية والتاريخية ضدّ صنعاء، يكشف خللاً في تحديد الأولويات والخصوم».
بدوره، ربط الناشط محمد الشريف التحرك السعودي ضدّ «أنصار الله» بالموقع الاستراتيجي لباب المندب، معتبراً أن الرياض تريد إبعاد التهديد اليمني عن المضيق خدمةً للمصالح الأميركية والإسرائيلية وحمايةً لمصالحها. وفي منشور آخر على «فيسبوك»، رأى أن «آخر ما يهمّ آل سعود مصلحة اليمن»، واصفاً المواجهة الجارية بأنها «محاولة لإشغال صنعاء عن الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة، وعن أيّ إسناد محتمل في مواجهة إسرائيل».
وفي الاتجاه نفسه، أيّد الناشط محمد غريب عمليات «أنصار الله»، مستنداً تحديداً إلى دور الحركة في إسناد غزة. وكتب عبر «فيسبوك»: «فنحن معكم ضد كل خائن وخؤون؛ ونحن من فلسطين ومن غزة ومن المنطقة التي تخلى عنها العالم أجمع؛ ووقفتم رجالاً أبطالاً معها؛ نقول لكم لا أسقط الله لكم راية ولا أمضى لعدوكم غاية». ورفض غريب المواقف المستندة إلى خلفيات مذهبية، معتبراً أن معيار الموقف بالنسبة إليه هو «نصرة الفلسطينيين والمستضعفين، لا الهوية المذهبية لمن يقوم بذلك». (المصدر: الأخبار اللبنانية)