استنكر رياضيان فلسطينيان مبتورا الأطراف من قطاع غزة استعانة شركة الأدوات الرياضية العالمية "أديداس" بجندي إسرائيلي كواجهة إعلانية لمنتجاتها، واعتبرا الخطوة "انحيازًا صارخًا للقتلة الإسرائيليين وتلميعًا لجرائم الإبادة الجماعية" في القطاع.
وقال الرياضيان، في حديثهما للأناضول، إنهما قررا "المقاطعة الشاملة والتخلي عن منتجات الشركة"، ودعوا الشارع الرياضي العربي والإسلامي وأحرار العالم إلى مساندتهما والتوقف عن شراء منتجاتها.
وظهر الجندي الإسرائيلي السابق شاليف بيتون، الذي شارك في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2021، في حملة محلية للترويج لخدمة "الحذاء الفردي" التي أطلقتها "أديداس".
وتتيح الخدمة للأشخاص مبتوري الأطراف، أو الذين يحتاجون إلى فردة حذاء واحدة، شراءها مقابل 50 بالمئة من سعر الزوج الكامل.
وأثارت الحملة استياءً دوليًا وعربيًا وفلسطينيًا واسعًا، في ظل معاناة آلاف مبتوري الأطراف في قطاع غزة من نقص الأطراف الصناعية والمواد الخام اللازمة لتصنيعها.
"تلميع لصورة القتلة"
وقال أحمد أبو نار، لاعب كرة القدم للبتر في غزة، إن استعانة شركة بحجم "أديداس" بقناص إسرائيلي شارك في الحرب على القطاع تعد "تصرفًا مستفزًا ومحاولة متعمدة لتلميع صورة من يرتكبون جرائم حرب بحق المدنيين".
وأبدى أبو نار، الذي فقد ساقه اليسرى جراء إطلاق نار مباشر من قناص إسرائيلي، استغرابه من "استخدام جندي إسرائيلي للإعلان والتسويق لهذا الحذاء، في وقت كان بإمكانها استخدام أشخاص آخرين كثر".
وأضاف أن "الشركة تمتلك خبرات وطواقم متخصصة لدراسة كل خطوة، وما جرى لم يكن محض صدفة، بل قرارًا مدروسًا لتجاهل الضحايا والاحتفاء بالقاتل".
وانتقد أبو نار طريقة تعامل الشركة مع الجدل، واقتصار اعتذارها أو حذفها للإعلان على الصفحات الموجهة إلى الشرق الأوسط فقط، مشيرًا إلى أن "الصفحة العالمية للشركة لم تتطرق للأمر".
وتحت ضغط ودعوات لمقاطعتها، اعتذرت شركة الملابس الرياضية الألمانية "أديداس"، الاثنين، عبر حسابها العربي على منصة إنستغرام، بسبب إطلاقها حملة إعلانية أشركت فيها جنديًا إسرائيليًا.
ويُعد حساب "أديداس العربية" ضعيف الانتشار نسبيًا، إذ يبلغ عدد متابعيه 1.4 مليون فقط، وهو رقم لا يقارن بعدد متابعي حسابها العالمي الذي يزيد على 29.6 مليون.
وأكد أبو نار اتخاذه قرارًا حاسمًا بمقاطعة "أديداس" والتخلص من جميع أدواتها الرياضية، قائلًا: "هذا القرار لا رجعة فيه بالنسبة لنا كرياضيين في غزة".
وأضاف أن "الشركة تكيل بمكيالين، ما بين أننا ضحايا ونتعرض للموت والقصف والدمار في كل حين، وفي المقابل قالوا إن الحرب توقفت، وإلى يومنا هذا لم تتوقف. وفي طريقنا إلى الملعب نكون في أي لحظة خائفين من حدوث قصف".
ومنذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ترتكب إسرائيل بدعم أمريكي إبادة جماعية في غزة، خلفت أكثر من 73 ألف شهيد وما يزيد على 174 ألف جريح فلسطيني، ودمارًا طال 90 بالمئة من البنى التحتية.
انحياز للاحتلال
من جانبه، استهجن حسن أبو كريم (43 عامًا)، عضو مجلس إدارة "جمعية فلسطين لكرة القدم للمبتورين"، ما وصفه بـ"التمييز العنصري والمكاييل المزدوجة" التي تنتهجها شركات عالمية في تعاطيها مع القضية الفلسطينية.
وقال أبو كريم، الذي فقد قدمه بقذيفة إسرائيلية عام 2006 خلال اجتياح لمنطقة المغازي: "في الوقت الذي تعاني فيه جمعيتنا منذ تأسيسها عام 2018 لتوفير أدنى المستلزمات من أحذية وعكاكيز للرياضيين المبتورين، نجد الشركة العالمية تفتح أبوابها وتوفر إمكانياتها وجوانبها الرعائية لجندي شارك في المجازر ضد شعبنا".
وأضاف: "هذا يؤثر بشكل كبير على الوضع الرياضي في فلسطين، خصوصًا الأشخاص ذوي البتر الذين كانوا ينتظرون من المؤسسات والشركات العالمية أن ترعاهم أو تقف في صفهم".
وأوضح أبو كريم، وهو لاعب سابق بنادي خدمات المغازي وشارك في مبادرات رياضية دولية لذوي البتر، أن الأجدى بالشركات العالمية أن تتضامن مع الضحايا الواقعين تحت الحصار والقصف، وأن تصون حقوق ذوي الإعاقة.
وتابع: "أنا كرياضي، عندما شاهدت هذا الإعلان، اتضح لي أنهم تجاهلوا معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة أو المبتورين في غزة".
واعتبر استخدام الجندي الإسرائيلي كواجهة إعلانية "تمييزًا عنصريًا بغيضًا"، داعيًا شركة "أديداس" إلى "ألا تكون عنصرية وألا تنحاز للاحتلال والقتل".
وطالب أبو كريم الرياضيين العرب والمسلمين والمؤسسات الرياضية حول العالم بالوقوف إلى جانب الرياضيين الفلسطينيين والتصدي لما وصفها بـ"السياسات العنصرية"، عبر مقاطعة واسعة لمنتجات الشركة حتى "تنصاع للقيم الإنسانية والعدالة".
وبعد أيام من نشر الإعلان، تصاعدت الانتقادات عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعدما أعادت حسابات مؤيدة للقضية الفلسطينية نشر صور الحملة، مشيرة إلى أن بيتون فقد ساقه خلال مشاركته في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2021.
وقالت القناة 15 الإسرائيلية إن المنشورات التي أعادت تداول الإعلان حققت ملايين المشاهدات، فيما انتشر وسم يدعو إلى مقاطعة "أديداس"، مصحوبًا بآلاف الدعوات إلى مقاطعة الشركة.
وقارن مستخدمون بين الجندي الإسرائيلي وآلاف الفلسطينيين الذين بُترت أطرافهم خلال الإبادة، متهمين "أديداس" بتجاهل معاناتهم.
أكثر من 5 آلاف حالة بتر
وتكشف أرقام مبتوري الأطراف في قطاع غزة حجم المفارقة التي استند إليها منتقدو "أديداس".
وبحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية الصادرة في مايو/ أيار 2026، شهد القطاع ما بين 5 آلاف و161 و6 آلاف و710 حالات بتر للأطراف منذ أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وأشارت المنظمة إلى أن نحو 43 ألف شخص في غزة أصيبوا بإصابات من المحتمل أن تغير حياتهم بصورة دائمة، بينهم نحو 10 آلاف طفل.
ولفتت إلى أن عدد الإصابات الخطيرة في الأطراف بلغ حتى مايو الماضي نحو 22 ألف حالة، فيما وصل إجمالي الإصابات في حينه إلى نحو 172 ألفًا، وذلك منذ 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وفي سياق متصل، أكدت معطيات نقلها مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا"، في 14 أغسطس/ آب 2026، أن الأطفال يمثلون نحو 18 بالمئة من حالات البتر في غزة، بينما لا تتوفر في القطاع خدمات متخصصة لإعادة تأهيل الأطفال.
ولا تنتهي معاناة مصابي البتر بفقدان أطرافهم، إذ يبدأ بعدها مسار طويل من العمليات الجراحية والعلاج الطبيعي والتأهيل والحصول على طرف صناعي مناسب.