أطلق جيش الاحتلال، في ساعة متأخّرة من ليل الإثنين - الثلاثاء، عدواناً عسكرياً واسعاً على بلدة عناتا ومخيم شعفاط الواقعَين شمال شرقي القدس المحتلة، وذلك تحت مسمّى «القبضة المشتركة».
وإذ بدأت العملية بفرض حصار مُشدّد ومنع شامل للتجوال، فضلاً عن تنفيذ حملة واسعة من المداهمات والاعتقالات بذريعة توافر معلومات استخبارية حول نيّة مسلّحين تنفيذ هجمات خلال الأعياد اليهودية، فهي سرعان ما تحوّلت إلى حصار شامل طاول السكان ومرافق حياتهم الأساسية، إذ أغلقت قوات الاحتلال جميع مداخل عناتا وشعفاط، وحظرت الحركة بشكل شبه كامل، كما عطّلت المدارس ورياض الأطفال، وأجبرت المحالّ التجارية على الإغلاق، متسبّبةً بشلّ الحياة اليومية لنحو 80 ألف فلسطيني.
وأفاد رئيس بلدية عناتا، بسام موسى، بأن جيش العدو داهم عشرات المنازل، وحوّل أحدها إلى مركز للتحقيق الميداني، مشيراً إلى أن
عدد المعتقلين والمحتجزين بلغ، منذ بدء الحملة، نحو 100 مواطن،
وهو رقم مرشّح للارتفاع مع استمرار عمليات المداهمة والاعتقال.
وبدأ عدوان «القبضة المشتركة» باقتحام آليات وجرافات عسكرية البلدة والمخيم، وفرض منعٍ للتجوال عبر مكبّرات الصوت، ومن ثمّ الشروع في مداهمة المنازل والمحالّ التجارية وخلع أبواب بعضها وتخريب محتوياتها.
كذلك، منعت قوات الاحتلال طواقم الإسعاف من الوصول إلى المرضى والحالات الطارئة، بالتوازي مع تجريف خطوط المياه الرئيسَة في عناتا، وإجراءات أخرى دفعت محافظة القدس إلى وصف العملية بأنها «جزء من سياسة مُمنهجة».
وإذ تتشابه هذه الحملة، في طبيعتها وأدواتها، مع تلك التي نفّذتها قوات الاحتلال، قبل أسابيع، في مخيم قلنديا، فهي تشي بنمط آخذ في التشكّل في حزام البلدات والمخيمات المحيطة بمدينة القدس المحتلّة، عنوانه فرض السيطرة العسكرية على المناطق الفلسطينية المكتظّة، وإبقاء سكّانها تحت ضغط أمني دائم. وفي هذا السياق، وصفت محافظة القدس، العملية في عناتا وشعفاط، بأنها «عدوان عسكري مُمنهج»، يأتي في سياق حملة أوسع لفرض الحصار على شمال شرقي القدس.
تزامن العدوان على عناتا وشعفاط
مع تصعيد أكثر دموية في أنحاء متفرّقة من الضفة
ويجيء العدوان على عناتا وشعفاط في ظلّ التصعيد المتسارع في الضفة الغربية، حيث تترافق العمليات العسكرية مع توسيع الاستيطان وتصاعد اعتداءات المستوطنين، وصولاً إلى التهديدات الإسرائيلية المباشرة للسلطة الفلسطينية.
وكان هدّد وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، قبل ساعات من بدء العملية الأخيرة، بشنّ «حرب شاملة» ضدّ السلطة وأجهزتها، قائلاً إنه ورئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، وجّها جيش الاحتلال بالاستعداد لما وصفه بـ"حسم المواجهة" هناك. وفي الموازاة، أبلغ الجيش، المستوى السياسي، بأنه سيرفع عديد قواته في الضفة إلى 26 كتيبة، وذلك عبر نشر ثلاث كتائب إضافية، إلى جانب قوات من المظلّيين ولواء «ناحال»، في مناطق جنين ونابلس ورام الله. وبينما يعزو الاحتلال تلك التعزيزات إلى الاستجابة لـ«خطر أمني متصاعد»، تكشف معطيات نشرتها صحيفة «هآرتس» أن هذه الإجراءات تستهدف حماية بؤر استيطانية جديدة سبق أن سمحت الحكومة بإقامتها.
وتزامن العدوان على عناتا وشعفاط مع تصعيد أكثر دموية في أنحاء متفرّقة من الضفة، أسفر، في خلال أربع وعشرين ساعة، عن استشهاد أربعة فلسطينيين برصاص قوات الاحتلال في قلقيلية ونابلس وطولكرم - بحسب وزارة الصحة الفلسطينية -. ومن بين هؤلاء، شابٌّ اغتاله جيش العدو في بلدة قبلان بدعوى تنفيذه عملية طعن في مستوطنة «معوز يهودا» قرب قرية أوصرين، وآخر مُطارَد أرداه في قرية عقربا عقب محاصرة المنزل الذي تحصّن فيه وهدمه.
ويوحي ذلك التزامن بنيّة الاحتلال تكريس صورة الضفة كساحة «خطر أمني»،
بما يبرّر المزيد من العمليات العسكرية فيها،
ولا سيما مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية.
وفي هذا الإطار، يرى محلّلون أن إبقاء الضفة في حال من التوتر المتواصل، من شأنه أن يعيد الملفّ الأمني إلى صدارة الأجندة الانتخابية - على نحو يصبّ في مصلحة أطراف الائتلاف الحاكم -، ويوفّر، في الوقت نفسه، للحكومة والمستوطنين غطاءً للمضيّ في فرض الوقائع الاستيطانية والإحلالية هناك.
(المصدر: الأخبار اللبنانية)