وكالة القدس للأنباء - متابعة
شيّع أهالي حيّ الزيتون في مدينة غزة، أمس، جثامين 100 شهيد انتُشلوا من تحت أنقاض منازل مُدمّرة لعائلات ملكة والبلعاوي وسلمي، وذلك بعد ثلاث سنوات على استشهادهم في مجازر جماعية قضت فيها عائلات بأكملها داخل منازلها. وتُعدّ هذه الجنازة الجماعية، التي شُيّع فيها 60 طفلاً و55 شهيداً من عائلة ملكة فقط، الثالثة من نوعها خلال شهرَين، بعدما كانت عائلتا أبو شريعة والحساينة قد شيّعتا جثامين 150 شهيداً، وتبعتهما عائلتا كرم والسوافيري بتشييع 100 شهيد آخرين.
على أرض الحيّ، صُفّت الجثامين المُكفّنة بأعلام فلسطين، فيما تجمّع ذوو الشهداء لإلقاء نظرة الوداع الأخيرة، ومن بينهم أطفال نثروا الورود فوق الرفات. لم يكن الوداع كاملاً كما تنتظره العائلات عادةً؛ إذ حالت سنوات البقاء تحت الركام، وغياب الإمكانات اللازمة للتعرّف الدقيق إلى الهويات، دون استعادة ملامح الشهداء وتلمّسها. لكن هذا الوداع، بالنسبة إلى عشرات الأسر، كان الحقّ المؤجّل في الحزن، ولقاءً أخيراً بعد ثلاث سنوات من العجز عن معرفة المصير أو مكان الرقود.
يقول المتحدّث باسم جهاز الدفاع المدني، الرائد محمود بصل، لـ«الأخبار»، إن عملية الانتشال كانت «شاقّة جداً»، واستغرقت أياماً طويلة بسبب شحّ المعدّات الثقيلة، وذلك بعدما دمّرت إسرائيل، خلال حرب الإبادة، ما كان متوافراً لدى الدفاع المدني من جرافات وبواجر وشاحنات، إلى جانب معدّات البلديات والشركات الخاصة. ويشير بصل إلى أن الاحتلال لم يسمح، منذ بداية الحرب، إلّا بدخول عدد محدود من الآليات الثقيلة، تحديداً خلال الهدنة الأولى في كانون الثاني 2025، قبل أن يعمد لاحقاً إلى تدمير ما سمح بدخوله.
ويلفت إلى أن عمليات البحث والانتشال باتت تُنفّذ بالأيدي وبمعدّات قديمة ومتهالكة، قائلاً: «العمل يتمّ ببطء شديد. لم نغلق سوى بضعة ملفات من ملفّات المفقودين من بين أكثر من 8 آلاف مفقود. السبب يعود إلى التكلفة المرتفعة لعمليات التنقيب وإزالة الركام، ومنع الاحتلال دخول المعدّات الثقيلة، وعدم اهتمام الجهات الدولية بإغلاق هذا الملف الشائك».
وبحسب جهاز الدفاع المدني، انطلقت، أمس، المرحلة الثانية من عمليات انتشال جثامين الشهداء من تحت الأنقاض في المحافظة الوسطى، والتي تشمل مدينة دير البلح ومخيّمَي النصيرات والمغازي، إلا أنها تسير بدورها ببطء شديد للأسباب نفسها.
ولا تقتصر أهمية هذه الجنائز الجماعية على بعدها العائلي، بل تتعدّاه إلى بعدها الجمعي، بوصفها شاهداً ملموساً على مجازر لم تُدوَّن إلّا بلغة الأرقام. ويقول مختار عائلتَي أبو شريعة والحساينة، جدوع أبو شريعة، إن مثل هذه الجنائز «تعيد حضور الحزن الفلسطيني، وتنصف الشهداء في غيبتهم الأخيرة»، حيث يستحقّون تكريماً يليق بهم. كما أنها تبعث، بحسب قوله، «بصرخة حيّة في وجه العالم الذي تغاضى عن إبادة شعب مظلوم طوال ثلاث سنوات ولم يحرّك ساكناً» حيال ذلك.
