قائمة الموقع

مستوطنو الضفّة: نتنياهو يدين... والضمّ جارٍ

2026-09-01T07:49:00+03:00
رام الله - وكالات

 لم تمضِ 24 ساعة على إدانة الرئيس الإسرائيلي، إسحاق هرتسوغ، ورئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، مساء السبت، هجمات المستوطنين على قريتَي قصرة وجالود جنوب نابلس، حتى هاجم مستوطنون، بحماية جيش العدو، بلدة المغيّر، شمال شرق رام الله. وأعاد هذا التقارب الزمني تسليط الضوء على المعادلة المكرّرة نفسها، والمتمثّلة بإعلاء الخطاب الرسمي الذي يتبرّأ من عنف المستوطنين عند اشتداد «الحرج الدولي»، فيما يتواصل توفير الغطاء لاعتداءات هؤلاء على الأرض. وكان نتنياهو وصف منفّذي الهجوم على قصرة وجالود بأنهم «مثيرو شغب»، فيما اعتبر هرتسوغ ما جرى «تجاوزاً للخطّ الأحمر». غير أن الإجراءات التي أعلن جيش الاحتلال و«الشاباك» اتّخاذها، على خلفية تلك الأحداث، لم تتجاوز مصادرة مركبات، وذلك رغم تحصّن عشرات المستوطنين داخل منزل فلسطيني مأهول وإصابة عدد من الفلسطينيين، بينهم امرأة. أمّا في المغيّر، فأطلقت قوات العدو، مساء الأحد، الرصاص الحي وقنابل الغاز على الأهالي، بعدما حاول مستوطنون اقتحام منازل في البلدة، وهو ما أدّى إلى إصابة أربعة فلسطينيين بالرصاص الحيّ ونقلهم إلى المستشفى، فضلاً عن عشرات الإصابات بالرصاص المعدني وحالات الاختناق. كما أغلق جيش الاحتلال مدخل البلدة واحتجز عدداً من الفلسطينيين، بالتزامن مع جولات استفزازية للمستوطنين في قرية برقا وإغلاقهم مدخلها.

وتُعدّ المغيّر واحدة من عشرات القرى التي تتركّز عليها اعتداءات المستوطنين بصورة منتظمة ومتكرّرة؛ فمنذ تشرين الأول 2023، خسرت القرية معظم الأراضي التي كان في إمكان الفلسطينيين الوصول إليها. ومن أصل مساحة المغيّر الإجمالية البالغة نحو 45 ألف دونم، لم يتبقَّ لهم سوى نحو تسعة آلاف، فيما أُقيمت على أراضيها سبع بؤر استيطانية جديدة. وبموازاة ذلك، يحاصر مستوطنون، منذ نحو 22 يوماً، ثلاثة منازل على أطراف قصرة في محاولة لإجبار سكانها على الرحيل، من دون تدخّل جدّي من جيش الاحتلال. واقتحم نحو 50 مستوطناً مسلّحاً، أخيراً، تلك المنازل، فيما اعتقلت قوات الاحتلال الفلسطينيين الذين تصدّوا لهم. وفي جالود، استولى مستوطنون على منزلَين بعد تهجيرهم سكّانهما، ورفعوا عليهما أعلام الاحتلال.

وتحمل هذه الأحداث تحوّلاً في نمط اعتداءات المستوطنين، الذين انتقلت هجماتهم من المناطق المُصنّفة «ج» التي تشكّل نحو 60% من مساحة الضفة وتخضع للسيطرة الإسرائيلية الكاملة، إلى مناطق «ب»، التي تمثّل نحو 18% وتخضع إدارياً للسلطة الفلسطينية وأمنياً للاحتلال. وفي هذا السياق، يرى المدير العام لـ«العمل الشعبي وتعزيز الصمود» في «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان»، عبد الله أبو رحمة، أن ما يجري يندرج ضمن مخطّط إسرائيلي متكامل لإعادة هندسة الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينيتَين، وذلك عبر إنشاء البؤر الاستيطانية وشقّ الطرق ومصادرة الأراضي. ويوضح أبو رحمة، في حديثه إلى «الأخبار»، أن إقامة البؤر ليست سوى المرحلة الأولى؛ إذ تَعقبها قرارات بوضع اليد على الأراضي بذريعة استخدامها لأغراض عسكرية، قبل شقّ «طرق عسكرية» هدفها الفعلي ربط البؤر بالمستوطنات القائمة. ومن شأن هذه الشبكة، وفق أبو رحمة، أن تعيد رسم جغرافيا الضفة، بتحويل الطرق إلى خطوط فصل بين التجمّعات الفلسطينية، علماً أن هناك أكثر من ألف طريق مُغلق، ما يسهّل حركة المستوطنين مقابل تقييد حركة الفلسطينيين.

ولا يقتصر هذا المخطّط على إعادة تشكيل الجغرافيا، بل يمتدّ، بحسب أبو رحمة، إلى «هندسة الديموغرافيا»، ولا سيما في ظلّ مصادقة الاحتلال على أكثر من 600 مخطّط هيكلي، ووجود نحو مئة ألف وحدة استيطانية قيد الإنشاء، بالتوازي مع توجّهات لاستقدام مستوطنين جُدد من أوروبا والولايات المتحدة. ويأتي ذلك بعدما شرعنت الحكومة الإسرائيلية 103 مستوطنات، وفق ما أعلنه وزير ماليتها، بتسلئيل سموتريتش. وفي مقابل هذا التسارع الاستيطاني، يرى أبو رحمة أن تصريحات نتنياهو وهرتسوغ المُندِّدة باعتداءات المستوطنين، لا تعدو كونها استجابة للضغوط الدولية، غايتها تهدئة الرأي العام العالمي وحماية صورة إسرائيل كـ«دولة ديمقراطية»، في وقت تتنصّل فيه الحكومة من مسؤوليتها عن تلك المجموعات، عبر وصف أفرادها بـ«المراهقين» أو «الخارجين على القانون»، والتعهّد شكلياً بملاحقتهم، تماماً كما فعل نتنياهو عقب هجوم قصرة. ويصف أبو رحمة هذه المواقف بأنها «ذرّ للرماد في العيون»، مشيراً إلى أن سلطات الاحتلال تعرف قادة المستوطنين وتحرّكاتهم، وتوفّر لهم الحماية على الأرض.

وإلى جانب ذلك، يَبرز البعد المتّصل بالاستحقاق الانتخابي المُرتقب في 28 تشرين الأول المقبل؛ إذ كانت تقارير إسرائيلية كشفت عن خلاف بين نتنياهو ورئيس أركان جيش الاحتلال، إيال زامير، مردّه إلى دعم الحكومة للمستوطنين لأهداف انتخابية، في مقابل خشية قيادة المؤسسة العسكرية من انفجار الأوضاع في الضفة، فيما قواتها مُستنزَفة أصلاً على جبهات أخرى. وفي هذا السياق، يرى الكاتب الإسرائيلي، عاموس هرئيل، أن زامير «يشكّ في نيات الحكومة»، ولا سيما مع طرح سموتريتش خطّة لضم 82% من مساحة الضفة وحصر الفلسطينيين في الـ18% المتبقّية منها. ويحذّر هرئيل من وجود قيادات يمينية لا تخفي رغبتها في مواجهة أوسع، بما يخدم حساباتها الانتخابية، مع تلميحات إلى رفض النتائج في حال الخسارة.

من جهته، يتوقّع أبو رحمة تصاعد وتيرة الاعتداءات خلال الفترة المقبلة، ولا سيما في ظلّ تزامن الحملات الانتخابية الإسرائيلية مع اقتراب موسم قطف الزيتون، الذي يشكّل سنوياً إحدى أبرز ساحات المواجهة بين الفلسطينيين والمستوطنين. فهذا الموسم، بحسب أبو رحمة، يُعدّ محطّة مصيرية للفلسطينيين، ليس على الصعيد الاقتصادي فحسب، إنما كوسيلة أساسية للتمسّك بالأرض، التي يشكّل وجودهم فيها عائقاً أمام مخطّطات الاستيطان. ولذا، يدعو المتحدّث إلى تحركات فلسطينية منظّمة وجماعية لمواجهة تلك المخطّطات، وإلى تضامن القرى بعضها مع بعض عند وقوع الخطر، بمشاركة الفصائل والاتحادات والمؤسسات الرسمية، محذّراً من أن عدم الوصول إلى الأراضي ستكون له تداعيات خطيرة على مستقبل وجود الفلسطينيين على أرضهم.

المصدر: الأخبار اللبنانية

اخبار ذات صلة