واشنطن - وكالات
مع مرور ستة أشهر من الحرب على إيران، بدأت كلفة الاستنزاف تَظهر داخل المؤسّسة العسكرية الأميركية بصورة أكثر وضوحاً. إذ حذّر قادة عسكريون كبار، وزير الدفاع بيت هيغسيث، من أن استمرار العمليات الواسعة في الشرق الأوسط بالمستوى الحالي «غير قابل للاستدامة»، وقد يضعف قدرة الولايات المتحدة على مواجهة تهديدات أخرى. ويأتي ذلك في وقت جدّدت فيه إيران تمسّكها بإبقاء مضيق هرمز تحت سيطرتها، إلى أن تنفّذ الولايات المتحدة التزاماتها المرتبطة بـ«مذكرة التفاهم».
وبحسب تقرير نشرته «واشنطن بوست»، أُدرجت التحذيرات الأحدث ضمن «تقييم سرّي» أُعدّ لهيغسيث، وشارك فيه قادة القوات البرية والبحرية والجوية، إلى جانب قادة عسكريين مسؤولين عن العمليات الأميركية في أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية. وأبلغ عدد من هؤلاء، وزير الدفاع، باعتراضهم على استمرار تمديد انتشار قواتهم ومعدّاتهم في الشرق الأوسط -رغم التزامهم تنفيذ الأوامر-، محذّرين من «انعكاسات ذلك على مهمّاتهم في مناطق أخرى وعلى الدفاع عن الأراضي الأميركية نفسها». كما نقلت الصحيفة عن مصدر مطّلع على التقييم، أن الانطباع السائد لدى القيادة العسكرية هو أن العملية ضدّ إيران استمرّت «أكثر ممّا ينبغي وبنطاق أوسع ممّا ينبغي».
وتبدو موجة التململ هذه، أعلى داخل البحرية الأميركية تحديداً. إذ أبلغ رئيس العمليات البحرية، الأدميرال داريل كودل، هيغسيث، أن «البحرية لا تستطيع الحفاظ على المستوى الحالي من الدعم للحرب في ظلّ غياب موعد متوقّع لنهايتها». ووفق «واشنطن بوست»، بات نحو ربع أسطول المدمّرات فقط جاهزاً للانتشار، فيما أدّت متطلّبات الحرب إلى تمديد مهمّات سفن وأطقم لأشهر، بالتوازي مع سحب سفن وطائرات ومعدّات من قيادات عسكرية أميركية أخرى لدعم العمليات في الشرق الأوسط. كذلك، يُتوقّع استمرار انتشار «الفرقة 82» المحمولة جواً في المنطقة حتى أيلول المقبل على الأقلّ، مع احتمال تمديد مهمّتها، فيما يُنتظر أن تبقى وحدات من سلاح الجو حتى عام 2027.
ولا ينفصل الضغط على القوات عن الاستنزاف المتزايد في مخزونات الذخيرة، حيث أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن الاستخدام المكثّف للأسلحة في الحرب، أثار مخاوف داخل المؤسسة العسكرية من «تراجع قدرة الولايات المتحدة على ردع الصين وروسيا»، ولا سيما مع استنزاف صواريخ «باتريوت» و«أتاكمز» ومنظومات «ثاد» وذخائر أخرى عالية الدقة. وأشارت الصحيفة إلى أن «إعادة بناء بعض المخزونات قد تستغرق سنوات»، فيما اضطرّت القيادة الأميركية في أوروبا إلى تعديل خططها العملياتية في ضوء النقص في بعض المنظومات.
ولا تقتصر تداعيات الحرب على المؤسسة العسكرية، بل تمتدّ لتشمل عائلات الجنود الأميركيين. فبحسب استطلاع أجرته منظمة «بلو ستار فاميليز» على نحو 200 عائلة جندي، فإن 81% من تلك الأسر سجّلت مستويات مرتفعة من «الضغط المرتبط بالحرب». وتُبيّن نتائج الاستطلاع أن إطالة فترات الانتشار أدّت إلى ضغوط مالية وعائلية، فيما تحدّثت وسائل إعلام أخرى عن «تراجع المعنويات ومحاولات انتحار» بين أفراد طاقم حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن». ووفقاً لوكالة «رويترز»، فإن «الولايات المتحدة تحتفظ بأكثر من 50 ألف عسكري في المنطقة، إضافة إلى آلاف البحارة ومشاة البحرية الذين أُرسلوا لدعم المجهود الحربي، فيما قُتل 18 عسكرياً أميركياً وأصيب أكثر من 750 منذ اندلاع الحرب».
في المقابل، لا تُبدي إيران استعجالاً في تخفيف الضغط عن الأميركيين، لا سيما في مضيق هرمز. وقال نائب وزير الخارجية الإيراني للشؤون القانونية والدولية، كاظم غريب آبادي، إن «إيران توصّلت إلى تفاهم مع سلطنة عُمان بشأن ترتيبات العبور في المضيق»، مستدركاً بأن هذا التفاهم «لن يدخل تلقائياً حيّز التنفيذ»، رابطاً تطبيقه بوفاء الولايات المتحدة بالتزاماتها الواردة في «مذكرة التفاهم». وأضاف أن طهران أوضحت الإجراءات التي ينبغي لواشنطن اتخاذها، وأكدت أنه ما لم تُنفذ تلك الإجراءات، فهي «ليست مستعجلة لإعادة فتح مضيق هرمز».
بالتوازي، أفادت مصادر إيرانية، وكالة «مهر»، بأن القوات المسلّحة منعت، منذ 22 آب الجاري، 30 سفينة من العبور من دون إذن، وأن «حركة الملاحة تجري بصورة محدودة عبر المسار الذي تُوافق عليه طهران، وبعد التنسيق معها ودفع الرسوم». وكانت حركة العبور قبل الحرب أكبر بكثير، وفق الأرقام الإيرانية الواردة في تقرير الوكالة نفسها، التي أشارت إلى «مرور أكثر من 1500 ناقلة نفط و1700 سفينة تجارية عبر المسار المذكور، قبل اندلاع الحرب». وأول من أمس، أعلنت «هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية» تعرّض ناقلة نفط لمقذوف في أثناء إبحارها في اتجاه الخليج، على مسافة نحو 12 ميلاً بحرياً شمال خصب في سلطنة عُمان.
المصدر: الأخبار اللبنانية
