/تقارير وتحقيقات/ عرض الخبر

تقرير التطبيع الثقافي والفني والسياحي: التاريخ والذاكرة وصورة الآخر|

2026/08/24 الساعة 08:56 م
تحرك مناهض للتطبيع
تحرك مناهض للتطبيع

عمر زين*

من أوجه التطبيع المستهدف، هو مجالات الثقافة والفنون والسياحة، ولهذا مخاطره الكبيرة. فالفن ليس مجرد لوحة أو أغنية أو فيلم أو مسرحية، بل هو لغة تتجاوز الحدود، وتصل إلى الإنسان بصورة أسرع وأعمق من كثير من الخطابات السياسية. ولهذا كان الفن عبر التاريخ وسيلة للتعبير عن الهوية والحرية والذاكرة، كما يمكن أن يتحول، عندما يُوظَّف سياسياً، إلى وسيلة لتغيير صورة الإنسان عن الآخر وعن الصراع والتاريخ.

والتطبيع الفني يعني إدخال العلاقة مع طرف كان يُنظر إليه باعتباره خصماً أو قوة احتلال أو طرفاً في صراع، إلى المجال الفني بصورة تجعل التعاون معه يبدو طبيعياً ومألوفاً. وقد يظهر ذلك من خلال أعمال فنية مشتركة، أو مهرجانات، أو معارض، أو حفلات، أو تعاون بين الفنانين، أو إنتاج أفلام ومسلسلات وموسيقى مشتركة، أو مشاركة فنانين في فعاليات تنظمها مؤسسات مرتبطة بالطرف الآخر.

لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفن إلى وسيلة لتغيير صورة الصراع، أو تهميش الذاكرة، أو تقديم الاحتلال باعتباره واقعاً عادياً، أو فصل الفن عن الحقيقة التاريخية والحقوق. وأول ما يمكن أن يستهدفه التطبيع الفني هو الصورة. كونها قادرة أن تقدم الإنسان باعتباره صديقاً أو عدواً، ضحية أو معتدياً، شريكاً أو غريباً. وقد يستطيع فيلم أو مسلسل أو عمل فني أن يغير انطباعاً لدى الجمهور أكثر مما تفعله عشرات الخطب السياسية.

ويُستهدف كذلك التاريخ والذاكرة. فالأعمال الفنية التي تتناول الصراعات والحروب والهجرة والتهجير يمكن أن تحفظ ذاكرة الشعوب، لكنها قد تفعل العكس إذا حذفت جانباً من الحقيقة أو قدمت رواية واحدة للأحداث. كما يستهدف التطبيع التراث والرموز الثقافية، من الأزياء والأغاني والموسيقى إلى الفنون الشعبية والآثار والعادات والتقاليد.

التطبيع الفني غالباً لا يبدأ بخطوة كبيرة وإنما بخطوات تبدو بسيطة قد يبدأ بدعوة فنان إلى مهرجان أو مشاركة في معرض

والتطبيع الفني غالباً لا يبدأ بخطوة كبيرة، وإنما بخطوات تبدو بسيطة. قد يبدأ بدعوة فنان إلى مهرجان، أو مشاركة في معرض، أو إقامة حفلة، أو إنتاج عمل مشترك. ثم تتوسع العلاقة إلى تعاون بين شركات الإنتاج والمؤسسات الثقافية، وتبادل الفنانين، وتمويل المشاريع، وإقامة المهرجانات المشتركة. وبمرور الوقت يصبح وجود الطرف الآخر في المشهد الفني أمراً مألوفاً، وينتقل من كونه طرفاً في صراع إلى شريك في صناعة الفن والترفيه.

وتعتبر السينما والدراما من أقوى وسائل التأثير الفني، لأنها تجمع الصورة والقصة والموسيقى والشخصيات. ولا تكمن المشكلة في تقديم الشخصيات الإنسانية، وإنما في اختزال التاريخ وحذف السياق الذي يفسر الصراع. فالعمل الفني قد يجعل المشاهد يتعاطف مع شخصية، وهذا طبيعي، لكن عندما يتحول التعاطف مع الشخصية إلى تبرير لواقع سياسي أو تاريخي، يصبح الفن جزءاً من صناعة الرواية.

والمطلوب هو التمييز بين التواصل الفني الحر وبين استخدام الفن لتبييض الاحتلال أو محو الذاكرة أو تجاوز الحقوق. فالفنان يستطيع أن يفتح باب الحوار، لكنه يستطيع أيضاً أن يحافظ على ذاكرة شعبه، وأن يجعل من فنه وسيلة لقول الحقيقة. وأخطر ما في التطبيع الفني أنه لا يأتي دائماً بصورة سياسية واضحة؛ فقد يأتي في فيلم، أو أغنية، أو معرض، أو مهرجان، أو صورة، أو تعاون بين فنانين.

إن حماية الفن من التوظيف في التطبيع لا تعني إغلاق أبواب الإبداع، بل تعني أن يبقى الفن حراً في التعبير، أميناً للتاريخ، محترماً للإنسان، وألا يتحول إلى أداة لتجميل الاحتلال أو محو آثار الظلم.

السياحة بوابة لتطبيع الاحتلال

في السياق قد تبدو السياحة، للوهلة الأولى، بعيدة عن السياسة والصراعات والاحتلال، فهي في مفهومها الطبيعي وسيلة للتعرف إلى المدن والشعوب والثقافات والمعالم التاريخية والطبيعية. لكن السياحة قد تتحول، في ظروف معينة، إلى أداة لإعادة تشكيل صورة المكان والتاريخ والإنسان، وهنا يظهر مفهوم التطبيع السياحي.

فالتطبيع السياحي لا يعني مجرد زيارة سائح لبلد آخر، أو إقامة علاقات بين شركات السفر والفنادق، وإنما يعني تحويل السياحة إلى وسيلة لجعل علاقة أو واقع سياسي محل نزاع يبدو طبيعياً وعادياً، بحيث يجري فصل المكان عن تاريخه، والسياحة عن حقيقة الصراع وحقوق السكان.

والرحلة السياحية ليست انتقالاً جغرافياً فقط، وإنما هي أيضاً رواية عن المكان. فالسائح عندما يزور مدينة أو موقعاً أثرياً أو دينياً أو طبيعياً، فإنه يتلقى معلومات عن تاريخ المكان وسكانه وهويته.

ومن هنا تبدأ الخطورة عندما تُقدَّم أرض محتلة أو متنازع عليها وكأن وضعها السياسي أمر محسوم، أو عندما يتم تجاهل تاريخ السكان الأصليين، أو تغيير أسماء المواقع، أو حذف أحداث أساسية من الرواية السياحية.

عندها لا يعود السائح مجرد زائر، بل يصبح بصورة غير مباشرة مستهلكاً لرواية معينة عن المكان.

قد يستهدف التطبيع السياحي الأرض والمواقع الأثرية والدينية والشواطئ والقرى والمدن والأسماء والخرائط والتراث.

فالأرض قد تُقدَّم باعتبارها ملكاً طبيعياً ونهائياً للجهة المسيطرة عليها، بينما يجري تجاهل حقوق أصحابها أو تاريخهم.

أما المواقع الأثرية، فهي ليست حجارة فقط، بل جزء من ذاكرة الشعوب. ولذلك فإن تقديم تاريخ انتقائي لموقع أثري، وإهمال تاريخ السكان المرتبطين به، يمكن أن يؤدي إلى إعادة صياغة هوية المكان.

والأماكن الدينية تحمل حساسية أكبر، لأنها ترتبط بالعقيدة والهوية والذاكرة، وقد تتحول الزيارات السياحية أو الدينية إلى وسيلة لتثبيت رواية سياسية معينة عن المكان.

حتى أسماء المدن والقرى والمواقع يمكن أن تصبح جزءاً من المعركة؛ فاستبدال الأسماء التاريخية أو إهمالها في الخرائط والكتيبات والمنصات السياحية قد يؤدي مع الزمن إلى محوها من الذاكرة.

وعندما تفتح خطوط السفر والرحلات السياحية، وتنظيم الزيارات المشتركة، ثم إقامة علاقات بين شركات السياحة والفنادق والمطاعم ووكالات السفر ومنصات الحجز. يأتي دور الإعلام السياحي، من خلال الإعلانات والمجلات والمواقع والصور والفيديوهات التي تقدم المكان بصورة معينة، مع التركيز على الطبيعة والترفيه والاستجمام، وإبعاد خلفيته السياسية والتاريخية عن المشهد. وبمرور الوقت تصبح الزيارة أمراً عادياً، ويصبح الحديث عن الاحتلال أو التهجير أو حقوق السكان وكأنه أمر غير ضروري بالنسبة للسائح. لأنه يرى موقعاً جميلاً أو منتجعاً فاخراً من دون أن يعرف شيئاً عن تاريخ الأرض أو سكانها. والهدف هو: أن يقدم السياسة في صورة سياحة، والاحتلال في صورة رحلة، والصراع في صورة إعلان سياحي.

والسياحة في أصلها نشاط إنساني واقتصادي وثقافي، ويمكن أن تكون جسراً بين الشعوب. لكن عندما تدخل السياسة في الخرائط والكتيبات والإعلانات السياحية، وعندما تستخدم الرحلات والاستثمارات لإعادة تعريف الأرض والتاريخ، فإن السياحة تتحول إلى أداة سياسية ناعمة.

فالتطبيع لا يأتي دائماً في صورة سفارة أو اتفاقية؛ فقد يأتي في صورة تذكرة سفر، أو إعلان فندق، أو خريطة سياحية، أو اسم موقع، أو صورة على منصة إلكترونية، أو برنامج رحلة. وقد لا يُطلب من الإنسان أن يغيّر موقفه السياسي، بل يكفي أحياناً أن يعتاد على واقع جديد حتى يصبح، مع مرور الوقت، أمراً طبيعياً. لذلك فإن الدفاع عن المكان لا يكون فقط بحماية الأرض، وإنما أيضاً بحماية اسمها وتاريخها وذاكرتها وروايتها.

*أمين عام سابق لاتحاد المحامين العرب

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/228653

اقرأ أيضا