توقفت صحيفة “لوموند” الفرنسية عند توقيع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، يوم الجمعة 7 أغسطس/آب في مكة المكرمة، اتفاقية دفاع مشترك تهدف إلى تعزيز أمنها الجماعي وقدرتها على الردع في ظل التحولات الأمنية التي يشهدها الشرق الأوسط.
ويحمل الاتفاق اسم “اتفاق الدفاع المشترك لمكة”، ويأتي في سياق تصاعد التوترات مع إيران وشبكة حلفائها في المنطقة، إضافة إلى تنامي القوة العسكرية والاستراتيجية لإسرائيل، وما يثيره دورها في النظام الأمني الإقليمي المستقبلي من تساؤلات لدى القوى الإسلامية.
ينص الاتفاق على أن أي هجوم مسلح خارجي ضد إحدى الدول الثلاث الموقعة سيُعتبر هجوما ضدها جميعا، بحسب البيان المشترك. كما يمهد الطريق لتنسيق دفاعي إقليمي أكثر مؤسسية وعمقا، يشمل تدريبات ومناورات مشتركة، ونقل التكنولوجيا، وتبادل المعلومات الاستخباراتية.
يجمع هذا الاتفاق بين ثلاث قوى رئيسية في العالم الإسلامي ذات قدرات متكاملة: تركيا، التي تمتلك ثاني أكبر جيش في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وباكستان، القوة النووية الوحيدة في العالم الإسلامي، والمملكة العربية السعودية، أكبر اقتصاد في الخليج وأكبر مصدر للنفط في العالم. وتسعى هذه الدول، التي ترغب في تقليل اعتمادها على المظلة الأمنية الأمريكية التي أظهرت محدوديتها في السنوات الأخيرة، إلى تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط الذي تمزقه الصراعات.
تم توقيع الاتفاق في مكة المكرمة، في خطوة تحمل رمزية كبيرة، وذلك بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف
وقد تم توقيع الاتفاق في مكة المكرمة، المدينة المقدسة لدى المسلمين، في خطوة تحمل رمزية كبيرة، وذلك بحضور ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، إلى جانب قائد الجيش الباكستاني الفريق أول عاصم منير.
ويعد هذا التحالف ثمرة نحو عام من المفاوضات، كانت وكالة رويترز قد كشفت عنها في كانون الثاني/يناير. ومنذ الضربات الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط/ فبراير، صعدت طهران وحلفاؤها الإقليميون من ضغوطهم العسكرية على عدة دول خليجية. وتتهم السعودية جماعة الحوثيين في اليمن وميليشيات عراقية موالية لإيران باستهداف منشآتها النفطية وتهديد طرقها البحرية الاستراتيجية في البحر الأحمر ومضيق هرمز.
ومن خلال توحيد جهودها، تسعى الرياض وإسلام آباد وأنقرة إلى تعزيز قدرتها على الرد الجماعي على التهديدات الإقليمية، واحتواء النفوذ العسكري والبحري الإيراني، ومنع تشكل نظام إقليمي جديد يتمحور حول إسرائيل.
وفي هذا السياق، يتوقع أن تتبلور بنية أمنية تقودها قوى عربية وإسلامية. ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة قائد أعظم بإسلام آباد، اشتياق أحمد، أن “الدول الثلاث تبدو مصممة على منع أي طرف إقليمي منفرد من إعادة تشكيل النظام الاستراتيجي بالقوة العسكرية أو عبر إجراءات أحادية”.
ورغم ذلك، لا يحدد البيان المشترك تفاصيل الالتزامات العسكرية أو العملياتية لكل دولة. وأكد رائد كريملي، نائب وزير الخارجية السعودي للشؤون العامة، أن الاتفاق ذو طابع دفاعي، موضحا أنه “لا يهدف إلى إنشاء محور عسكري أو تكتل ذي طابع طائفي، ولا يرتبط بطموحات نووية أو سباق تسلح، بل يسعى إلى بناء قدرات دفاعية مستدامة”.
يقوم الاتفاق على تكامل واضح بين الدول الثلاث؛ إذ تمتلك باكستان قوة عسكرية كبيرة وخبرة عملياتية وصناعة دفاعية متنامية، بينما تقدم تركيا خبراتها التكنولوجية والصناعية، خصوصا في مجال الطائرات المسيرة والأنظمة البحرية. أما السعودية، فتتمتع بقدرات مالية ضخمة تمكنها من دعم برامج التسليح والبحث والتطوير.
وترتبط الدول الثلاث بالفعل بعلاقات عسكرية وثيقة؛ إذ تتعاون تركيا وباكستان في مجالات الطيران والبحرية، كما وقعت السعودية عام 2023 عقدا لشراء طائرات مسيرة تركية، في أكبر صفقة تصدير دفاعي لتركيا.
لا يعني الاتفاق نهاية النفوذ الأمريكي في المنطقة أو ظهور “ناتو إسلامي”، وفقا لباحثة ترى أن هذا التوجه ينسجم مع رغبة الولايات المتحدة في تقاسم الأعباء الأمنية مع القوى الإقليمية
ومع ذلك، لا يعني الاتفاق نهاية النفوذ الأمريكي في المنطقة أو ظهور “ناتو إسلامي”، وفقا للباحثة بورجو أوزجيليك من المعهد الملكي للخدمات المتحدة في لندن، التي ترى أن هذا التوجه ينسجم مع رغبة الولايات المتحدة في تقاسم الأعباء الأمنية مع القوى الإقليمية.
بالنسبة للسعودية، يمثل الاتفاق تتويجا لاستراتيجية تهدف إلى بناء منظومة أمنية تعتمد بشكل أكبر على الشراكات مع قوى إسلامية. وقد عززت الرياض بالفعل تعاونها العسكري مع باكستان عبر اتفاق ثنائي في أيلول/سبتمبر 2025.
ويرى الباحث هشام الغنام أن الحرب سرعت هذه التوجهات، موضحا أنها وفرت مبررا سياسيا داخليا لإعلان هذا التحالف بشكل رسمي.
كما تشير بعض التحليلات إلى أن باكستان قد توفر “مظلة نووية” لحلفائها، فيما تقدم تركيا التكنولوجيا المتقدمة، وتوفر السعودية التمويل اللازم.
ورغم تشابه بند الدفاع المشترك مع المادة الخامسة في الناتو، لا تزال آليات القيادة المشتركة والهياكل العملياتية بحاجة إلى تطوير. وبالتالي، ينظر إلى “اتفاق مكة” حاليا كإشارة سياسية قوية تحمل أبعادا عسكرية واستراتيجية، وقد يشكل خطوة أولى نحو بناء نظام أمني إقليمي متعدد الأقطاب.