لم تكن حركة فتح يوماً مجرد تنظيم سياسي فلسطيني، بل كانت عنواناً لمرحلة تاريخية حملت المشروع الوطني الفلسطيني إلى العالم وقادت الثورة الفلسطينية لعقود طويلة تحت شعار التحرير الكامل، (والمقصود هنا الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48)، و"ثورة حتى النصر". واستطاعت استقطاب جماهير الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، باعتبارها رأس الحربة في مواجهة الاحتلال.
إلا أن الحركة التي رفعت شعار: "طالع لك يا عدوي طالع، من كل بيت وحارة وشارع"، تعيش اليوم واحدة من أخطر مراحلها، لا سيما في الساحة اللبنانية التي كانت تاريخياً خزاناً بشرياً وسياسياً للثورة الفلسطينية، وهو انعكاس لأزمتها العميقة، التي تتخبط بها في الضفة والقطاع المحتلين!..
وهذا التراجع الذي تعيشه حركة فتح في لبنان لم يكن وليد الصدفة بل هو نتيجة تراكمات سياسية وتنظيمية وقيادية، بدأت منذ سنوات عدة، حين غلبت الشخصنة على العمل المؤسسي، وتراجع دور الأطر التنظيمية، وما عكسته من إقصأء للكفاءات والقيادات التاريخية، ما أدى لتعمق الانقسامات الداخلية، حتى باتت الحركة منشغلة بصراعاتها أكثر من انشغالها بقضيتها المركزية فلسطين.
لقد ساهمت الخيارات السياسية التي انتهجتها قيادة السلطة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو في إحداث تحول عميق في هوية الحركة ودورها، فمن حركة تحرر وطني قادت الكفاح الفلسطيني لعقود أصبحت مرتبطة بسلطة محدودة الصلاحيات أثقلت كاهلها الالتزامات السياسية والأمنية بينما استمر الاحتلال في فرض الوقائع على الأرض وتوسيع الاستيطان وتهويد القدس ومحاصرة الشعب الفلسطيني.
وفي لبنان انعكس هذا المسار بصورة أكثر وضوحاً حيث شهدت الساحة الفلسطينية سنوات طويلة من الانقسامات والصراعات الداخلية سواء داخل الحركة نفسها أو مع قوى فلسطينية أخرى الأمر الذي أضعف حضورها السياسي والتنظيمي وأفقدها الكثير من رصيدها الشعبي في وقت كانت فيه المخيمات بأمسّ الحاجة إلى قيادة موحدة وقادرة على حماية المشروع الوطني والدفاع عن حقوق اللاجئين.
ولم تتوقف الأزمة عند حدود الانقسام الداخلي بل امتدت إلى سياسة التهميش والإقصاء التي طالت العديد من الكوادر والقيادات الفتحاوية التي عبّرت عن اعتراضها على النهج القائم فيما بقيت شخصيات وقيادات تاريخية وفي مقدمتها مروان البرغوثي تمثل بالنسبة لكثير من أبناء الحركة رمزاً لإمكانية استعادة الروح الكفاحية التي عُرفت بها فتح في بداياتها.
إن قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لم تعد مجرد قضية خدمات أو أوضاع معيشية بل أصبحت جزءاً من معركة سياسية تستهدف تصفية حق العودة وإنهاء أحد أهم عناوين القضية الفلسطينية. ومن هنا فإن أي إضعاف للحضور الوطني الفلسطيني داخل المخيمات أو أي محاولة لتجريدها من عناصر قوتها دون توفير ضمانات حقيقية لأمن اللاجئين وحقوقهم يثير مخاوف مشروعة لدى أبناء الشعب الفلسطيني خصوصاً في ظل الذاكرة المثقلة بالمجازر والاعتداءات التي تعرضت لها المخيمات عبر العقود.
إن المطلوب اليوم قبل أن يكون فلسطينياً هو موقف فتحاوي مسؤول يعيد الاعتبار للحركة ولمكانتها التاريخية من خلال العودة إلى العمل المؤسسي واحترام النظام الداخلي وتفعيل مبدأ التسلسل القيادي وإشراك القواعد التنظيمية في صناعة القرار بعيداً عن منطق التفرد والإقصاء.
وفي الساحة اللبنانية على وجه الخصوص لم يعد ممكناً التعامل مع ما يجري داخل حركة فتح باعتباره شأناً تنظيمياً داخلياً بل بات قضية وطنية فلسطينية تمس مستقبل اللاجئين ومستقبل المشروع الوطني برمته، فلبنان ليس مجرد ساحة خارجية بل هو خزان الثورة الفلسطينية وحاضنة حق العودة وآخر قلاع الدفاع عن الهوية الوطنية الفلسطينية في الشتات. وأي مشروع يؤدي إلى إضعاف هذا الدور أو تفكيكه لن تكون تداعياته محصورة داخل الحركة بل ستنعكس على القضية الفلسطينية بأكملها.
ومن هنا فإن المطلوب اليوم هو وقفة فتحاوية شجاعة ومسؤولة لمواجهة ما أراه مشروعاً عنوانه التوريث، الذي يهدف إلى إحكام السيطرة على مفاصل الحركة والسلطة تمهيداً لفرض واقع يخدم استمرار النهج السياسي القائم ولو كان ذلك على حساب القضية المركزية، وحق اللاجئين في العودة الى مدنهم وقراهم وبلداتهم التي أخرجوا منها بالمجازر والإرهاب الذي قادته العصابات الصهيونية...
إن الأزمة التي تعيشها الحركة ليست أزمة أشخاص فحسب بل أزمة مشروع وقرار وطني فالقرار الفلسطيني المستقل الذي دفع الشعب الفلسطيني أثماناً باهظة من أجل انتزاعه لا يجوز أن يبقى مرتهناً للإرادة الأمريكية والإسرائيلية أو لأي ضغوط خارجية وقد عبّر رئيس السلطة محمود عباس نفسه عن هذا الواقع عندما قال إننا "نعيش تحت بسطار الاحتلال" وهو توصيف يعكس حجم المأزق الذي وصلت إليه السلطة السياسية لكن القبول بهذا الواقع لا يمكن أن يكون قدراً للشعب الفلسطيني الذي قدم مئات آلاف الشهداء والأسرى والجرحى من أجل سلطة وضعت نفسها في خدمة كيان العدو..
إن إنقاذ حركة فتح اليوم ليس مطلباً فصائلياً بل ضرورة وطنية فالحركة التي فجرت الثورة الفلسطينية المعاصرة وقدمت قادتها وشهداءها قادرة على استعادة دورها إذا ما انتفض أبناؤها في وجه التهميش والتفرد والانحراف عن المبادئ التي انطلقت من أجلها وما تزال الفرصة قائمة لاستعادة روح "قوات العاصفة" والعودة إلى الجماهير التي احتضنت فتح وإلى خيار المقاومة والثوابت الوطنية ورفع الراية التي وحدت الفلسطينيين يوماً تحت شعار: "ما بنتحول عن حبة رملة... وطالع لك يا عدو طالع من كل بيت وحارة وشارع" حتى يستعيد الشعب الفلسطيني قراره الوطني وتبقى فلسطين كل فلسطين هي البوصلة والهدف لأن التاريخ لن يرحم المتخاذلين وسيكتب أن الشعوب التي تتمسك بحقها لا بد أن تنتصر مهما طال زمن الاحتلال والاستعمار.
--------------------
*باحث وكاتب سياسي/ فلسطين.
الثلاثاء 4 آب 2026