قائمة الموقع

حكم تاريخي في بريطانيا يوجه ضربة قاسية "لاسرائيل".. مناهضتك للصهيونية لا تعني معاداتك للسامية

2026-08-05T12:40:00+03:00
نشاط معادٍ لكيان العدو ومتضامن مع فلسطين في لندن
وكالة القدس للأنباء - متابعة

في حكم قضائي تاريخي صدر (أمس) في الرابع من أغسطس/آب 2026، رفضت محكمة الاستئناف العليا للعمل في بريطانيا الاستئناف الذي تقدمت به جامعة بريستول ضد الأكاديمي ديفيد ميلر، مؤكدة سابقة قانونية ملزمة تعتبر الاقتناعات المناهضة للصهيونية معتقدا فلسفيا محميا بموجب المادة (10) من قانون المساواة البريطاني لعام 2010.

ويمثل القرار، الصادر برئاسة اللورد فيرلي، تحولا قانونيا بارزا؛ إذ يرسم حدود حرية التعبير والنقد الأكاديمي للصهيونية داخل المؤسسات، ويمنع اعتبار المواقف المناهضة للصهيونية أو التضامن مع فلسطين سببا لاتخاذ إجراءات تأديبية أو الفصل من العمل.

يرسخ الحكم قواعد إجرائية تمنع أرباب العمل والمؤسسات في المملكة المتحدة من فصل الأفراد أو معاقبتهم إداريا بسبب تبنيهم مواقف مناهضة للصهيونية.

وأكدت المحكمة في حيثياتها أن التحليل الفكري الذي يصف الصهيونية بأنها أيديولوجيا عنصرية أو استعمارية يتمتع بدرجة كافية من التماسك والوضوح تؤهله للحماية القانونية باعتباره معتقدا فلسفيا في مجتمع ديمقراطي.

وفي تصريحات خاصة لـ”الجزيرة نت”، قال الدكتور ديفيد ميلر، أستاذ علم الاجتماع السياسي، إن القرار يحدد الحدود الفاصلة بين النقد الأكاديمي والاتهامات الإدارية.

وأضاف “خضعت جامعة بريستول لسلسلة من الشكاوى التي استهدفت أبحاثي العلمية وتحليلي الاجتماعي للصهيونية، وجاء حكم المحكمة ليؤكد أن الطرح المناهض للصهيونية يمثل موقفا فكريا وسياسيا مكفولا بالقانون، ولا يتداخل مع مفهوم معاداة السامية”.

وأوضح ميلر أن أثر هذه السابقة القانونية يتجاوز الجامعات ليشمل مختلف القطاعات، لافتا إلى أن مساءلات إدارية وتحقيقات ومحاكمات شملت مهنيين في مجال الصحة بعضهم أطباء وممرضون، وفي مجالات المحاماة والمحاسبة والتجارة، بسبب آراء ناقدة للصهيونية نشروها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدا أن الحكم سيدعم تلك التحقيقات والدعاوى القضائية.

وتابع “تحدد هذه السابقة القانونية مسار التعامل الإداري في الجامعات والمؤسسات والجهات التنظيمية، بحيث لا يُعد تفكيك البنية السياسية أو التاريخية للنموذج الصهيوني مسوغا قانونيا لاتخاذ إجراءات فصل أو تعليق عمل”.

وختم ميلر حديثه بالتأكيد على أن مطالبته بالعودة إلى منصبه الأكاديمي تهدف إلى إزالة الآثار الإدارية التي لحقت بمسيرته المهنية، وتأكيد حق الأكاديميين في إجراء أبحاثهم ونشر نتائجها دون التعرض لأخطار وظيفية.

يرجح أن يترك الحكم أثرا مباشرا في عدد من الدعاوى والإجراءات التأديبية المعلقة داخل المؤسسات البريطانية، إذ أشار ميلر إلى أن القضاء والجهات الإدارية كانت تترقب صدوره لحسم ملفات مشابهة.

ورغم تأكيد المحكمة التمييز بين الحماية الممنوحة للمعتقد الفلسفي في ذاته وبين الأسلوب الذي يُوجَّه به الخطاب تجاه أفراد أو جمعيات طلابية، فإن إقرار هذه السابقة القانونية قد ينعكس على عدد من القضايا المنظور فيها حاليا.

وفي السياق نفسه، قال مسعود شجرة، رئيس لجنة حقوق الإنسان الإسلامية، للجزيرة نت إن “هذا الحكم سيمنح المهنيين والموظفين ثقة أكبر بأن معتقداتهم المناهضة للصهيونية محمية قانونيا. كما يعني أن على أصحاب العمل توخي الحذر عند إدارة النقاشات داخل بيئة العمل أو استجواب الموظفين بشأن نشاطهم أو معتقداتهم الفلسفية المتعلقة بمعاداة الصهيونية”.

وبالاطلاع على بيانات صادرة عن عدد من المنظمات الحقوقية، تبرز ثلاثة آثار مباشرة للحكم:

تعزيز موقف الخاضعين للمساءلة الإدارية: إذ يقوي الموقف القانوني لأفراد يخضعون حاليا لإجراءات تقييم أو تعليق عن العمل أو تهديد بالفصل، بعدما جُمّد بعض تلك الإجراءات في انتظار صدور الحكم النهائي.

تقييد صلاحيات الهيئات التنظيمية: يفرض الحكم قيودا على الهيئات الرقابية في قطاعات مثل الطب والمحاماة والمحاسبة، ويمنعها من استخدام لوائحها الداخلية لمعاقبة المهنيين بسبب منشورات أو تصريحات تعبر عن مواقف مناهضة للصهيونية.

إرساء معيار لحماية حرية التعبير: يوفر القرار أساسا قانونيا يمنع استخدام ادعاءات “عدم الارتياح” أو سوء فهم المواقف السياسية ذريعة لإلغاء العقود أو استبعاد المرشحين والموظفين في القطاعين العام والخيري.

رحبت لجنة حقوق الإنسان الإسلامية (IHRC) بالحكم، معتبرة في بيان أن القرار “يمثل تأكيدا لمبدأ حماية حرية التعبير وحق الأفراد في تقديم أطروحات نقدية ضد الأيديولوجيات السياسية”.

وأضافت أن أهمية الحكم تنبع من صدوره في سياق شهد توسعا في استخدام المسارات التأديبية داخل المؤسسات، معتبرة أن حيثياته “تضع حدا لاستخدام الدعاوى القانونية والإدارية وسيلة للضغط على النقد الأكاديمي والمهني”.

وعلق شجرة بالقول إنه “في وقت أصبح فيه القضاء أداة أخرى لقمع الأصوات المؤيدة لفلسطين والمناهضة للعنصرية، يأتي هذا الانتصار موضع ترحيب كبير. ونأمل أن يمثل نقطة تحول في الثقافة الاجتماعية والسياسية والقانونية في بريطانيا”.

وعلى الصعيد الإجرائي، أوضحت المحكمة أن جامعة بريستول قدمت لائحة استئناف مطولة أعادت من خلالها مناقشة الوقائع والتقييمات، من دون أن تستند إلى أخطاء قانونية جوهرية في الحكم الابتدائي.

يرى مراقبون أن الحكم يعيد رسم الإطار القانوني المنظم لعمل المؤسسات الأكاديمية والمهنية في المملكة المتحدة، من خلال تحديد حدود السلطة التأديبية لأرباب العمل والهيئات الرقابية، ووضع معيار قضائي يميز بين الخطاب المحمي بموجب قوانين المساواة وحرية التعبير، وبين المخالفات الإدارية التي قد تستوجب المساءلة.

كما يمنح القرار الأكاديميين والمهنيين إطارا قانونيا أوضح لحماية أبحاثهم وآرائهم السياسية، ويوجه الممارسة الإدارية نحو الالتزام بالحياد وضمان حماية النقد الأكاديمي للأيديولوجيات والسياسات في إطار القواعد الدستورية لحرية التعبير.

وقالت نور نابلسي، المنظمة في “حركة الشباب الفلسطيني”، تعليقا على الحكم “لقد أدركنا في الحركة المناهضة للإبادة والداعية للحرية في فلسطين منذ زمن طويل أن معاداة الصهيونية ليست مجرد معتقد مشروع، بل هي موقف بديهي لكل إنسان صاحب ضمير يستوعب حقيقة هذا الفكر”.

وأضافت نور أن القرار يمثل رد اعتبار لكثير من الناشطين والمتضامنين الذين تعرضت مصادر رزقهم وسبل عيشهم للتهديد بسبب آرائهم ومواقفهم السياسية، مؤكدة أنه يمنح مزيدا من الثقة والتمكين لمن كانوا يترددون في التعبير عن مواقفهم، ويشجعهم على رفع أصواتهم مستقبلا بحرية ومن دون خوف.

اخبار ذات صلة