قائمة الموقع

تقرير ثلاثة عقود من الارتهان للاقتصاد "الإسرائيلي": سلطة رام الله "بين الحياة والموت"

2026-08-01T12:30:00+03:00
زحمة أمام محطة وقود في الضفة الغربية المحتلة!
وكالة القدس للأنباء - متابعة

تبدو الأزمات المالية والاقتصادية التي تعصف بالسلطة الفلسطينية اليوم، نتيجة مباشرة لثلاثة عقود من الارتهان للاقتصاد "الإسرائيلي"، الذي كرّسه «بروتوكول باريس»، بتأسيسه بنية اقتصادية تفتقر إلى أبسط مقومات السيادة الفلسطينية.

فبدءاً من فرض الشيكل عملة رئيسة للتداول من دون امتلاك بنك مركزي أو القدرة على السيطرة على السياسة النقدية، وصولاً إلى التحكم "الإسرائيلي" بالمعابر وأموال المقاصة والعلاقات المصرفية، ظلّ الاقتصاد الفلسطيني رهينة لقرارات الاحتلال، الذي لا يتردّد في استخدام الأدوات المالية كوسيلة ضغط سياسي، لا تقلّ تأثيراً عن الحصار والإغلاق.

وبرزت معالم هذا الواقع بوضوح، خلال مؤتمر صحافي -حضرته «الأخبار»- خُصّص أساساً للحديث عن أزمة المحروقات في الضفة، قبل أن يتحوّل إلى تشخيص شامل لأزمة مالية متعدّدة الأبعاد. وفي خلال المؤتمر، حذّر وزير المالية الفلسطيني، اسطيفان سلامة، من أن السلطة تواجه إحدى أكثر المراحل تعقيداً منذ تأسيسها، متحدّثاً عن أربعة ملفات متشابكة تعكس حجم هشاشة الاقتصاد الفلسطيني، هي: احتمال انهيار العلاقة المصرفية مع إسرائيل، استمرار احتجاز أموال المقاصة، تفاقم أزمة تكدس الشيكل، والمحروقات.

العلاقة المصرفية... تهديد يتجاوز البنوك

لعلّ أخطر ما كشفه وزير المالية، هو تلقّي البنوك الفلسطينية إشعارات من البنكَين "الإسرائيليَّين" المراسلَين، «هبوعليم» و«ديسكونت»، بوقف خدماتهما خلال شهرَي أيلول وتشرين الأول المقبلين. ورغم قرار حكومة الاحتلال تمديد آلية العلاقة المصرفية حتى نهاية العام، حذّر سلامة من اقتراب انتهاء صلاحية هذه الآلية، واصفاً هذا السيناريو بأنه «أمّ الأزمات المالية والاقتصادية». ذلك أن تداعياته لن تقتصر على القطاع المصرفي، بل ستمتدّ إلى حركة الاستيراد والتجارة والتحويلات، بما سيهدّد أيضاً الخدمات الأساسية، وفي مقدّمها الكهرباء والمياه والوقود، ويؤدي بالتالي إلى شلل واسع في الدورة الاقتصادية الفلسطينية.

والواقع أن الاقتصاد الفلسطيني بات، منذ سريان «اتفاقيات باريس»، معتمداً على شبكة تسويات مالية مع "إسرائيل"، ما يجعل أيّ قرار بوقف العلاقة المصرفية قادراً على شلّ قطاعات اقتصادية واسعة، وليس القطاع البنكي وحده.

ورغم خطورة تلك التحذيرات، أثارت تصريحات سلامة تحفّظات داخل القطاع المصرفي؛ إذ اعتبر مسؤولون فيه أن الحديث عن احتمال انهيار العلاقة المصرفية، قبل استنفاد الجهود الدولية للحفاظ عليها، قد يزعزع الثقة بالنظام المالي، مدافعين بأن هذا الملف يندرج ضمن اختصاص سلطة النقد التي تواصل اتصالاتها مع أطراف دولية لإيجاد بدائل وتجنّب الانقطاع.

أزمة الشيكل... نتيجة لا سبب

أمّا الملف الثاني، فيتمثّل في تراكم نحو 18 مليار شيكل داخل المصارف الفلسطينية، بعدما امتنعت إسرائيل عن استقبال فائض النقد، وهو ما أدّى، على مدى سنوات، إلى اختلالات متزايدة في القطاع المصرفي الفلسطيني المرتبط بالعملة الإسرائيلية.

وفي هذا السياق، يقترح وزير المالية معالجة تدريجية للأزمة، تقوم على تقليص الاعتماد على الشيكل، والتوسّع في استخدام الدولار والدينار، إلى جانب تعزيز وسائل الدفع الإلكتروني. ووفق معطياته، يمثّل الشيكل نحو 55% من الكتلة النقدية المتداولة، في مقابل 33% للدولار، وهو ما يوضح حجم الارتباط بالعملة "الإسرائيلية".

لكن خبراء اقتصاديين يرون أن الإجراءات المقترَحة من جانب سلامة، رغم أهميتها، تعالج النتائج أكثر من الأسباب؛ ذلك أن جوهر الأزمة يكمن في استمرار القيود "الإسرائيلية" على حركة النقد، وهو ما يجعل أيّ حلول محلية محدودة التأثير ما لم تتغيّر البيئة المالية التي تَحكم العلاقة بين الاقتصادَين.

المقاصة والرواتب... أزمة بلا هامش للمناورة

تتعلّق الأزمة الأكثر إلحاحاً باستمرار احتجاز الاحتلال لأموال المقاصة -البالغة، بحسب وزير المالية، نحو ستة مليارات دولار- منذ ستة عشر شهراً، وهو ما حرم الخزينة الفلسطينية من مصدر دخلها الرئيس. وفي هذا الإطار، أوضح سلامة أن الحكومة باتت تعمل بإيرادات لا تتجاوز 850 مليون شيكل شهرياً، بينما تبلغ احتياجاتها الفعلية نحو 1.5 مليار شيكل، الأمر الذي دفعها إلى الاكتفاء بصرف 50% من رواتب الموظفين، مؤكداً أنها لن تتمكّن من تجاوز هذه النسبة حتى نهاية العام. وتكشف هذه الأرقام أن الحكومة استنفدت تقريباً جميع أدواتها المالية، بعدما بلغت سقف الاقتراض، ولم يعُد أمامها سوى البحث عن مصادر تمويل إضافية، أو رفع الإيرادات المحلّية، أو انتظار دعم خارجي، في وقت تتواصل فيه الضغوط الإسرائيلية على الموارد المالية الفلسطينية.

المحروقات... الأزمة التي خرجت إلى الشارع

امتدّت الأزمة المالية بصورة مباشرة إلى قطاع المحروقات، حيث شهدت الضفة الغربية اضطرابات في التوريد ونقصاً في الوقود. وعزا وزير المالية تلك الاضطرابات إلى تقليص إسرائيل عدد ناقلات المحروقات، إضافة إلى أزمة فائض الشيكل، بينما أقرّ بوجود عمليات تهريب، معلناً أن الحكومة تدرس إنشاء شركة حكومية للمحروقات تتولّى العمليات التشغيلية، مع إبقاء الدور التنظيمي والرقابي لـ«هيئة البترول». ورغم تقديمه إياه باعتباره خطوة إصلاحية، فإن هذا الطرح يثير تساؤلات حول توقيته وجدواه، وما إذا كان يمثّل معالجة استراتيجية أم استجابة متأخّرة لأزمة تفاقمت خلال الأشهر الماضية على خلفية القيود الإسرائيلية المفروضة.

على أيّ حال، تكشف الملفات الأربعة التي عرضها وزير المالية أن الأزمة الحالية ليست طارئة، بل هي نتيجة مباشرة لحال متجذّرة يعيشها الاقتصاد الفلسطيني منذ عقود، عنوانها غياب السيادة النقدية والمالية، واعتماد المفاصل الاقتصادية الأساسية على قرارات الاحتلال.

وفي ظلّ هذا الواقع، يبدو قول الوزير إن الأزمة المصرفية تمثّل «مسألة حياة أو موت» وصفاً دقيقاً للمرحلة، وإقراراً رسمياً متأخراً بحجم الأزمة التي يعيشها الفلسطينيون منذ سنوات. على أن هذه التصريحات كشفت، في الوقت نفسه، أن سلطة رام الله لا تزال تتحرّك ضمن هامش ضيّق يعتمد على إجراءات قد تخفّف من آثار الأزمة، لكنها غير قادرة على معالجتها من جذورها، أو اجتراح رؤية في مقابلها تقلّل من الارتهان البنيوي للاقتصاد "الإسرائيلي".

اخبار ذات صلة