إن الدفاع عن الأمن الاجتماعي ليس مهمة أمنية فحسب، بل هو واجب وطني وأخلاقي وديني، لأنه يشكل خط الدفاع الأول عن المجتمع وقيمه ومستقبله.. وفي زمن تتكاثر فيه المشاريع التي تستهدف المجتمعات من الداخل وفي مقدمتها آفة المخدرات والجريمة المنظمة والانحلال الأخلاقي، يصبح الوقوف في وجه هذه الظواهر عملاً نبيلاً يستحق كل الدعم والتقدير، ويستوجب الالتفاف حول كل من يضحي بوقته وجهده وربما بحياته لحماية أبناء شعبه من هذا الخطر الداهم.
فمحاربة المخدرات ليست مواجهة مع أفراد منحرفين فحسب، بل هي معركة دفاع عن الأسرة وعن الشباب وعن الهوية الوطنية وعن مستقبل المخيمات التي يراد لها أن تتحول من حواضن للنضال والوعي إلى بيئات مستنزفة بالفوضى والضياع، ولا تُبنى المجتمعات بالشعارات ولا تُصان المخيمات بالخطب الرنانة بل بالإرادة الصلبة وتحمل المسؤولية والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، أما حين يحكم الضعيف ويمسك الجبان بمفاصل القرار فإن النتيجة الطبيعية هي اتساع دائرة الفوضى وتراجع هيبة المؤسسات وانكشاف المجتمع أمام كل مشروع هدام يسعى إلى العبث بأمنه واستقراره.
إن ما تعيشه المخيمات الفلسطينية في لبنان من حالة تراجع على المستويات الاجتماعية والأمنية والأخلاقية ليس قدراً محتوماً بل هو نتيجة مباشرة لسياسات قائمة على الهروب من المسؤولية والتردد في مواجهة مكامن الخلل والاكتفاء بإطلاق البيانات والمحاضرات عن الأمن والاستقرار، فيما الواقع يشهد انحداراً مقلقاً في منظومة القيم والانضباط.
ولا يمكن قراءة هذا الواقع بمعزل عن حجم التحديات والاستهدافات التي تتعرض لها المخيمات الفلسطينية، فالمخيمات بما تمثله من شاهد حي على النكبة وحق العودة كانت ولا تزال هدفاً لمحاولات متعددة لإضعاف مرجعياتها الوطنية والاجتماعية، وإدخالها في دوامة من التهميش والاستنزاف.. وتستفيد الجهات الساعية إلى بث الانقسام والفوضى من كل حالة ضعف أو فراغ او استسلام للامر الواقع، من القيادة ومن كل تراجع في تحمل المسؤوليات لتوسيع نفوذها والتغلغل داخل المجتمع مستهدفة ثقة الناس بمرجعياتهم، ومفسحة المجال أمام مشاريع لا تخدم سوى إضعاف المخيمات وإرباك بيئتها الوطنية. وكلما غابت القيادة الحازمة وجدت هذه المشاريع بيئة أكثر ملاءمة للتمدد وتحقيق أهدافها.
لقد أصبح البعض يجيد الحديث عن الاستقرار أكثر مما يجيد صناعته، ويتقن تبرير العجز أكثر مما يمتلك إرادة معالجته.. فكلما برزت أزمة، أو تفاقمت ظاهرة خطيرة، سارع أصحاب القرار إلى البحث عن الأعذار مرة بحجة الحفاظ على السلم الأهلي، وأخرى بذريعة تعقيدات الواقع، وثالثة بحجة عدم توفر الإمكانات والغطاء.. بينما الحقيقة أن غياب الحزم والجرأة في تحمل المسؤولية هو أصل المشكلة.
إن الأمن الحقيقي لا يتحقق بمجرد تجنب المواجهة، وإنما بحماية المجتمع من الفساد ومواجهة العابثين والدفاع عن القيم والأخلاق وصيانة الأمان المجتمعي من كل من يحاول العبث به أما ترك الساحة فارغة والامتناع عن القيام بالواجب فإنه يمنح أصحاب السوابق وتجار المخدرات ومثيري الفتن وأصحاب المشاريع المشبوهة مساحة أوسع للتغلغل والتأثير حتى يصبح وجودهم أمراً اعتيادياً بعد أن كان استثناءً مرفوضاً.
والمؤلم أن ثقافة التهرب من المسؤولية تحولت لدى بعض الجهات إلى نهج دائم. حيث يُمنع كل من يسعى إلى الإصلاح الحقيقي أو الانخراط في حماية المجتمع، بينما تُفتح الأبواب أمام استمرار حالة الترهل واللامبالاة. وهنا يصبح الصمت شريكاً في الجريمة والتقاعس مساهمة غير مباشرة في تعميق الأزمة، لأن الفراغ لا يبقى فراغاً بل يملؤه أصحاب المصالح والمشاريع التي لا ترى في المخيم سوى ساحة قابلة للاختراق.
إن المخيمات الفلسطينية لم تُبنَ لتكون بيئة للفوضى أو مرتعاً للفاسدين، بل كانت وما زالت عنواناً للصمود والكرامة والالتزام الوطني ومن الظلم لتاريخها ولتضحيات أبنائها أن تُترك رهينة حسابات ضيقة أو قيادات تفتقر إلى الشجاعة والإرادة فتكتفي بإدارة الأزمات بدلاً من حلها كما أن الحفاظ على المرجعيات الوطنية والاجتماعية الفاعلة ودعم دورها يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة محاولات التهميش والإضعاف التي تستهدف هوية المخيم ودوره الوطني.
اليوم نحن بحاجة إلى مراجعة جادة وشجاعة تعيد الاعتبار لمفهوم المسؤولية وتؤكد أن القيادة ليست موقعاً للتشريف، بل تكليف يحمل صاحبه واجب حماية المجتمع والدفاع عن مصالحه وقيمه.. فلا يمكن مواجهة الأخطار الخارجية بينما الجبهة الداخلية تعاني من التصدع والإهمال.. ولا يمكن الحديث عن مستقبل أفضل في ظل استمرار سياسة الهروب من المسؤولية.
إن إنقاذ المخيمات يبدأ بقرار واضح أن يتقدم أصحاب الكفاءة والشجاعة لتحمل مسؤولياتهم، وأن يتراجع كل من أثبت عجزه عن إدارة المرحلة.. فالأمم لا تنهض بالخائفين ولا يحفظ المجتمعات من يكتفي بالمراقبة وإلقاء المواعظ، وإنما يصنع مستقبلها رجال يدركون أن المسؤولية موقف وأن التردد في لحظات الخطر ليس حياداً بل مساهمة في صناعة الفوضى التي يدفع الجميع ثمنها، وفي منح خصوم شعبنا فرصة لتحقيق ما عجزوا عن فرضه بالمواجهة المباشرة عبر إضعاف المخيمات من الداخل وتفكيك مرجعياتها الوطنية والاجتماعية.
----------------
* باحث وكاتب سياسي/ فلسطين.
الاربعاء 29 تموز 2026