/الصراع/ عرض الخبر

‏«عائدون للبيت»: كيف أصبح مشروع المستوطنين سياسة إسرائيل الرسمية؟

2026/07/26 الساعة 02:49 م

الضفة المحتلة - وكالات

لم يكن اجتماع «عائدون للبيت» الذي عُقد الثلاثاء الماضي، في الكنيست الإسرائيلي مجرد فعالية نظمها اليمين الديني والقومي، بل شكّل مؤشراً سياسياً على تحول نوعي في الخطاب الرسمي الإسرائيلي تجاه القضية الفلسطينية. فما طُرح خلال الاجتماع تجاوز حدود المواقف الأيديولوجية التقليدية، ليعكس مسعى متقدماً لإعادة تعريف أسس الصراع، عبر الانتقال من إدارة تداعيات «اتفاق أوسلو» أو تعديل مساره إلى التعامل معه بوصفه مرحلة ينبغي إنهاؤها نهائياً، واستبدالها برؤية تقوم على بسط السيادة الإسرائيلية.

وتنبع أهمية الاجتماع، في هذا السياق، من دلالاته السياسية أكثر مما تنبع من القرارات التي قد تترتب عليه. فقد أظهر أن الدعوات إلى إلغاء «أوسلو» وفرض السيادة على كامل الضفة لم تعد تقتصر على أوساط الحركة الاستيطانية أو التيارات اليمينية المتشددة، بل أصبحت تحظى بتأييد عشرات الوزراء وأعضاء الكنيست، إذ تعزز نفوذ ‏اليمين المتطرف داخل مؤسسات دولة الاحتلال بصورة غير مسبوق خلال العقد الأخير، ولم يعد المستوطنون يكتفون بالتأثير في ‏الحكومات عبر الضغط الشعبي، بل أصبحوا جزءاً من الحكومة نفسها، ويتولون حقائب وزارية ومواقع ‏مؤثرة في إدارة الأراضي المحتلة مثل وزير المالية الوزير بتسلئيل سموترتش.

فمنذ توقيع «أوسلو» عام 1993، بقيت الدعوات إلى إسقاط الاتفاق وضم الضفة المحتلة حاضرة داخل ‏أوساط حركات الاستيطان، لكنها اصطدمت لسنوات باعتبارات سياسية وأمنية ودبلوماسية جعلت حكومات ‏الاحتلال، حتى الأكثر يمينية منها، تتجنب تبنيها بصورة مباشرة، إذ يتجاوز هذا التوجه حدود الخطاب السياسي إلى محاولة ترجمته تشريعياً، إذ قدمت عضو الكنيست ليمور سون هار ميليخ من حزب «قوة يهودية» في أيار/مايو الماضي، مشروع قانون يقضي باعتبار جميع الاتفاقيات الموقعة مع منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية غير ملزمة لإسرائيل، وإلغاء التشريعات التي استندت إليها، بما يعيد الوضع القانوني في الضفة إلى ما قبل «أوسلو».

انطلاقاً من اعتبار اليمين الإسرائيلي أن مرحلة ما بعد السابع أكتوبر تمثل فرصة لإغلاق ملف أوسلو نهائياً، فالحرب لم تُستخدم ‏فقط لإعادة رسم المعادلات العسكرية في القطاع، بل وفرت أيضاً بيئة سياسية سمحت بتسريع الإجراءات ‏في الضفة، سواء عبر توسيع الاستيطان، أو شرعنة بؤر استيطانية جديدة، أو تكثيف العمليات ‏العسكرية.

ويعكس هذا التحول انتقال المشروع الاستيطاني من هامش السياسة إلى مركز صناعة القرار، بما يدفع إسرائيل إلى تكريس سياسة تقوم على حسم الصراع من طرف واحد، عبر استبدال منطق التسوية بمنطق فرض الوقائع، بما يضع المجتمع الدولي أمام واقع سياسي جديد يقوض عملياً ما تبقى من مسار السلام.

ولا يقتصر الأمر على رفض حل الدولتين، بل يقدم الخطاب الإسرائيلي بديلاً واضحاً يقوم على منع قيام الدولة الفلسطينية بصورة دائمة، إذ اعتبر مشاركون في اجتماع «عائدون ‏للبيت»، أن إلغاء أوسلو يمثل خطوة ضرورية لمنع أي مسار سياسي مستقبلي يمكن أن يقود ‏إلى إقامة دولة فلسطينية. في مقدمتهم ‏عضو الكنيست تسفي سكوت. ولكن قد ‏يوسع هذا المسار الفجوة بين إسرائيل وعدد من شركائها الدوليين الذين ما زالوا يتمسكون، على الأقل رسمياً، بحل ‏الدولتين بوصفه الإطار الوحيد المقبول لتسوية الصراع، إلا أن اليمين الإسرائيلي يراهن على أن الوقائع التي تُفرض على الأرض ستكون أقوى من ‏الاعتراضات الدبلوماسية. فالتجربة الإسرائيلية خلال العقود الماضية أظهرت أن التوسع الاستيطاني ‏استمر رغم الإدانات الدولية على سبيل المثال.

لا تنتظر دولة الاحتلال إلغاء «اتفاق أوسلو» للشروع في إنهاء السلطة الفلسطينية، بل تمضي منذ سنوات في تقويضها تدريجيًا عبر سياسة تقوم على استنزافها ماليًا وإداريًا وأمنيًا. فمن خلال احتجاز أموال المقاصة، إذ فقدت الحكومة الفلسطينية نحو 68% من إيراداتها خلال الأشهر الخمسة عشر الماضية نتيجة استمرار احتجاز إسرائيل لأموال المقاصة، وهي التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد الفلسطيني.

وبحسب مركز الاتصال الحكومي الفلسطيني فإن إن هذا الواقع خلق فجوة تمويلية كبيرة حالت دون انتظام صرف رواتب الموظفين أو دفعها كاملة، وبالتوازي مع الخنق المالي، تتآكل عمليًا الحدود التي رسمها اتفاق أوسلو بين مناطق السيطرة الفلسطينية والإسرائيلية.

ففي اليوم نفسه، أي الثلاثاء الماضي، الذي احتضن فيه الكنيست اجتماع «عائدون للبيت»، استولى مستوطنون على منزل فلسطيني قيد الإنشاء في قرية بيت إمرين، شمال غرب نابلس، بشكل غير مسبوق لوقوع المنزل داخل المنطقة المصنفة «أ»، التي يفترض أنها تخضع للسيطرة المدنية والأمنية الكاملة للسلطة الفلسطينية بموجب «أوسلو» ذاتها.

ولم يكن الحدث مجرد اعتداء استيطاني جديد، بل حمل دلالة رمزية وسياسية، إذ جرى تحت حماية جيش الاحتلال. وفي الوقت ذاته، واصل المسؤولون الفلسطينيون تحركاتهم الدبلوماسية للمطالبة بالإفراج عن عائدات الضرائب المحتجزة، إذ دعا رئيس الوزراء الفلسطيني، محمد مصطفى، خلال لقائه مسؤولي الاتحاد الأوروبي في بروكسل، إلى ممارسة ضغوط على سلطات الاحتلال للإفراج عن أموال المقاصة، وسط الوضع الاقتصادي الخانق في الضفة، إلى جانب تآكل صلاحيات السلطة بشكل فاضح مقابل تسارع الخطوات الإسرائيلية لتجاوز الأسس التي قامت عليها «أوسلو»

المصدر: الأخبار اللبنانية

رابط مختصرhttps://alqudsnews.net/p/227915

اقرأ أيضا