قائمة الموقع

كوزو أوكاموتو... ثائر أممي نقش اسمه في ذاكرة فلسطين

2026-07-25T13:58:00+03:00
يوسف أبو سامر موسى*

ليست عظمة الإنسان في جنسيته، أو عرقه، أو اللغة التي يتحدث بها، وإنما في الموقف الذي يتخذه حين يقف أمام الظلم. فهناك من يرى المأساة فيلتزم الصمت، وهناك من يختار أن يجعل حياته كلها انحيازًا للمستضعفين، ولو كان الثمن عمرًا بأكمله من المطاردة والسجن والغربة. ومن هذا النموذج كان المناضل الأممي الياباني كوزو أوكاموتو الذي لم تمنعه المسافات ولا اختلاف الأوطان من أن يجعل فلسطين قضية عمره حتى استحق أن يخلّد اسمه في سجل الأحرار والثائرين

حين رأى كوزو المشهد بوضوح انحاز إلى ما اعتقد أنه الحق وسجل اسمه بأحرف من ذهب في ذاكرة كثيرين بوصفه أحد أبرز المناضلين الأمميين الذين حملوا القضية الفلسطينية وكأنها قضيتهم الشخصية. ولم يكن رجلًا عاديًا بل حمل في وجدانه روح التضحية التي عُرف بها أبناء وطنه واجداده في اليابان وفي مقدمتهم ابطال فريق الطيران الانتحاري الياباني في الحرب العالمية الثانية الذي يُعرف بـ"الكاميكازي"   لكنه تجاوز حدود القومية الضيقة لينتصر لقضية شعب رأى أنه يتعرض للظلم والاقتلاع والاحتلال.

ولم يكن انحيازه لفلسطين مجرد موقف عاطفي أو تضامن إعلامي بل تحول إلى التزام عملي فانخرط في صفوف الثورة الفلسطينية مؤمنًا بأن نصرة المظلوم لا تكون بالكلمات وحدها وإنما بالفعل والتضحية.

ومن هنا ارتبط اسمه بأشهر محطات حياته النضالية وهي عملية مطار اللد التي نُفذت في الثلاثين من أيار/مايو عام 1972 ضمن عملية خُطط لها ونُسقت بين الجيش الأحمر الياباني والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وقد شكّلت هذه العملية الحدث الأبرز في مسيرته وأدخلت اسمه إلى التاريخ باعتباره أحد أبرز المناضلين الأمميين الذين ربطوا مصيرهم بالقضية الفلسطينية. وبينما تُعدّ العملية محل خلاف واسع في توصيفها بين مناضل يؤمن بقضية فلسطين وعدالتها وبين متخاذل باع الارض وسلم مقاليد سيادته للاستعمار..  الا أنها كانت نقطة التحول التي دفع بسببها سنوات طويلة من عمره في الاعتقال، قبل أن يواصل حياته متمسكًا بخياره وانحيازه لفلسطين حتى آخر أيامه.

ولعل ما دفع كوزو إلى هذا الانحياز يعود لإدراكه العميق لمآسي الحروب، فقد خرجت اليابان مثقلة بجراح الحرب العالمية الثانية ولا تزال هيروشيما وناكازاكي شاهدتين على أول استخدام أميركي للسلاح النووي في التاريخ عام 1945. وهو الحدث الذي ترك أثرًا بالغًا في الوجدان الياباني. ومن هذه الخلفية التاريخية رأى كوزو بحسب مؤيديه أن الوقوف إلى جانب الشعوب التي تعاني الاحتلال والظلم واجب إنساني يتجاوز الحدود والقوميات.

ظل كوزو أوكاموتو حاضرًا في تاريخ النضال الفلسطيني وأمضى سنوات طويلة من حياته بعيدًا عن وطنه الأصلي متحملًا تبعات خياراته ولم يبدّل موقفه رغم السجن والمنفى والملاحقة. ومع رحيله طويت صفحة أحد أبرز وجوه التضامن الأممي مع فلسطين، لكنه أبى إلا أن يوارى الثرى إلى جانب الشهداء الفلسطينيين في مقبرة شهداء صبرا وشاتيلا حيث يرقد ضحايا المجزرة المروعة التي ارتكبت عام 1982 في مشهد رمزي يجسد عمق ارتباطه بفلسطين حتى بعد الرحيل.

رحل كوزو بصمت مرفوع الرأس كبير المقام ولم يشعر بفقدانه إلا الأحرار والمناضلين وكل من يؤمن بأن المبادئ لا تُشترى ولا تُباع. أما أولئك الذين قايضوا القضايا بالمصالح وباعوا الأوطان، بحفنة من الدولارات، وأفسحوا المجال للاحتلال كي يرسخ وجوده فوق الأرض المقدسة، فلن يدركوا قيمة رجل وهب حياته لفكرة آمن بها حتى النهاية، لأنه لم يكن يومًا جزءًا من عالمهم ولا من حساباتهم.

لقد رحل الثائر الأممي لكن الإرث الذي تركه سيبقى خالدًا في ذاكرة الأحرار وسيظل اسمه شاهدًا على أن فلسطين لم تكن يومًا قضية الفلسطينيين وحدهم، بل قضية استنهضت ضمائر رجال ونساء من مختلف شعوب الأرض، آمنوا بأن مقاومة الظلم قيمة إنسانية لا تحدها الجغرافيا، ولا الديموغرافيا.

نم قرير العين يا أوكاموتو، فقد تركت خلفك إرثًا من التضحية والانحياز للمبدأ، وسيبقى اسمك في ذاكرة الأحرار، راية يرفعها كل من يؤمن بأن الإنسان قد يولد في وطن لكنه يستطيع أن يجعل من قضية عادلة وطنًا لروحه، وأن الثورة الحقيقية لا تعرف لونًا ولا عرقًا ولا لغة، بل تعرف الرجال الذين يثبتون على مواقفهم حتى آخر نبض في حياتهم.

------------


-----------------------------------------

* كاتب وباحث سياسي- فلسطين.

السبت 25 تموز 2026

اخبار ذات صلة