وكالة القدس للأنباء - متابعة
استطاعت حكومة العدو، على مدار الأشهر الماضية، تكريس نسق يومي من عمليات الاغتيال والقتل العشوائي، من دون أن تثير معارضة أو احتجاجاً من جانب وسطاء اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ناهيك عما يسمّى «المجتمع الدولي» الذي لا يمانع، على ما يبدو، استمرار القتل، طالما أنه لا يثير ضجيجاً. والظاهر أن هذا الصمت والتطبيع مع الدم المسفوك، أثار لعاب جيش الاحتلال لتوسيع رقعة الجرائم، ليقدّم الأخير، يومَي الجمعة والسبت الماضيَين، نموذجاً لعتبة جديدة من المجازر، قد تغدو هي الأخرى روتيناً يومياً لا يثير حفيظة أحد.
هكذا، ارتكب العدو، مساء الجمعة، جريمة بشعة، بدأت بعملية اغتيال الكادر الميداني في «سرايا القدس»، طاهر عبد الواحد، في قصف بصاروخ من طائرة مسيّرة طاوله في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة. وخلال مراسم تشييعه المكتظّة بالآلاف من المشاركين، أطلقت طائرة مسيّرة صاروخاً آخر على جمهور المشيّعين المحتشدين في محيط جثمان رفيقهم، ما أدى إلى استشهاد 8 مواطنين وإصابة العشرات بجروح متفاوتة.
ورغم أن قصف مراسم تشييع الشهداء يمثّل سابقة في الانتهاك الأخلاقي لكلّ الشرائع، فإن أكثر ما أعلنه جيش الاحتلال، هو أنه سيحقّق في وقوع إصابات لدى استهداف «أحد الإرهابيين» بالقرب من جنازة حاشدة، فيما لم تُثر الحادثة ردود فعل رسمية فلسطينية ولا من الوسطاء، فضلاً عن «المجتمع الدولي» الذي أخرج غزة تماماً من حساباته.
وأوّل من أمس، أغارت الطائرات الحربية على شقّة سكنية في حي النصر غربي مدينة غزة، ما أسفر عن استشهاد عائلة كاملة مكوّنة من 5 أفراد، لم ينجُ منهم سوى الطفل أيهم نسمان الذي لم يتجاوز العاشرة من عمره. وفي نهاية اليوم ذاته، قصفت مدفعية الاحتلال المتمركزة في مناطق «الخط الأصفر» شرق المدينة، خيمة تؤوي نازحين في شارع كشكو في حيّ الزيتون جنوب شرق المدينة. وتسبّب الحادث باستشهاد مسنَّين وطفلة، قبل أن تبدأ حملة من القصف المدفعي الذي أدى إلى تهجير مئات الأسر في ساعات الليل المتأخرة. وأعقب ذلك توسيع آخر لمناطق «الخط الأصفر» التي أضحت تقضم 70% من مساحة القطاع.
ما تَقدّم من تطورات ميدانية، يتزامن مع تحرّكات جدّية تبدو بمثابة انطلاقة فعلية للخطة «ب» الرديفة لخطة ترامب، والتي تستبدل عملية إعادة الإعمار الشاملة، بما أطلقت عليه صحيفة «الغارديان» البريطانية «المشروع التجريبي لإعادة إعمار مدينة رفح». والأخير يتضمّن إقامة مخيم مؤقت قرب مدينة رفح لعشرات الآلاف من النازحين الفلسطينيين، تتولّاه إدارة فلسطينية، وقوة شرطة محلّية مدرّبة ومسلّحة بمسدسات صعق كهربائي، إضافة إلى قوة أمنية دولية محدودة.
ومن المفترض أن تقام المدينة الجديدة التي تعدّ مخيم إيواء يتّسع لعشرة آلاف عائلة، بواقع 50 ألف نازح، في المناطق الشمالية الغربية للمدينة. ووفقاً لمصادر ميدانية، فقد أتمّ جيش الاحتلال، خلال الأشهر الماضية تسوية الأرض المخصّصة لإقامة «الغيتو» الجديد، في حين شهدت اجتماعات «مجلس السلام» مع الوفدين الأميركي والإسرائيلي في قبرص، نقاشاً موسّعاً حول المشروع. وبحسب مصادر مطلعة تحدثت إلى «الأخبار»، فقد تلاشت اعتراضات «جهاز الأمن العام الإسرائيلي» (الشاباك) على نقل الفلسطينيين إلى مناطق قريبة من الحدود الشرقية، بعدما تقرّر نقل المكان المنْويّ استخدامه إلى المناطق الغربية من مدينة رفح.
أمّا عن الأسباب التي أفضت إلى تقليص الخطة الكبرى من إعادة الإعمار الشامل، إلى مجرّد مخيم إيواء ستقدَّم فيه بيوت بدائية «أقلّ من كرفان»، فهو ضعف التمويل، وغياب التعاطي الدولي الجدّي مع مشروع «مجلس السلام»، فضلاً عن وجود انتقادات فلسطينية حتى من جانب المنخرطين في الخطة، والخوف من عملية عسكرية إسرائيلية قبل انتخابات «الكنيست» المزمع إجراؤها في نهاية تشرين الأول المقبل. وفي هذا السياق، تبيّن مصادر فلسطينية مطلعة أن الأميركيين استطاعوا التحايل على قضية نقص التمويل، بالموافقة على تمويل بناء المخيم التجريبي من أموال المقاصة التي تقرصنها دولة الاحتلال من موازنة السلطة الفلسطينية في رام الله.
ومن جهته، يعتقد الباحث والمحلل السياسي، أحمد الطناني، أن ما تسبّب في نضوج ذلك التوجّه الآن، هو «وجود غطاء دولي لتحرّك كهذا، والتقاء بين الرغبات الأميركية والإسرائيلية، إذ يريد الأميركيون تقديم نموذج للعالم يؤكد أن مجلس السلام لا يزال قائماً ومتماسكاً وأن الاتفاق لم ينتهِ، وهذا سقف مقبول جداً بالنسبة إلى الإسرائيليين، الذين سينالون مزيداً من هامش التحرّك الميداني في المناطق الغربية التي تسيطر عليها حركة حماس".
ويضيف الطناني، في حديث إلى «الأخبار»، أن «الوسطاء مرّروا إلى حركة حماس، رسالة جدّية بوجود توجّه لإقامة تلك المنطقة، وهو ما دفع الحركة إلى إقالة اللجنة الإدارية للتأكيد أنها لم تعُد تسيطر على أيّ منطقة في القطاع، وكي تقطع الطريق أمام تقسيم غزة إلى 3 مناطق، واحدة تسيطر عليها إسرائيل، وأخرى حركة حماس، وثالثة مجلس السلام".
ورغم الضخ الإعلامي الذي يحيط بهذه الخطوة، فهي لا تشكّل، إذا ما جُرّدت من هالة «مجلس السلام» وحكومة التكنوقراط، سوى تظاهرة إعلامية تخدم أجندة «المجلس» الذي يعاني عقبات مالية وشرعية، ويتواطأ مع إسرائيل في تأجيل أيّ فرصة للحلّ الجذري لأزمات القطاع، ومنح المزيد من الوقت لاستدامة الإبادة.
