لم يكن ملف اللاجئين الفلسطينيين في لبنان على امتداد أكثر من سبعة عقود قضية إنسانية أو قانونية، تعاملت معها الحكومات اللبنانية المتعاقبة بوصفها مسؤولية وطنية وأخلاقية، فرضها التاريخ والمواثيق الدولية، بل تحوّل إلى ورقة سياسية تُستخدم عند كل أزمة داخلية، وإلى شماعة تُعلّق عليها الحكومات المتعاقبة عجزها عن إدارة الدولة وفشلها في معالجة أزماتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.. بينما بقي اللاجئ الفلسطيني الحلقة الأضعف التي تدفع ثمن الحسابات الداخلية والإملاءات الخارجية.
لقد عكست السياسات الرسمية في كثير من المحطات تخبطاً واضحاً في مقاربة الوجود الفلسطيني حتى بدا أن بعض الحكومات انخرطت عن قصد أو عن غير قصد في أجندات تستهدف تصفية قضية اللاجئين ولو كان الثمن مزيداً من المعاناة والضغط على الشعب الفلسطيني، في محاولة لدفعه إلى الهجرة أو القبول بحلول تنتقص من حقه التاريخي في العودة إلى وطنه...
ومنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة وتوقيع اتفاق القاهرة عام 1969 الذي نظّم الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان، برزت قوى سياسية لبنانية اتخذت موقفاً عدائياً من الوجود الفلسطيني بشقيه المدني والمقاوم وروّجت لفكرة أن الفلسطيني هو من جرّ لبنان إلى الصراع مع الاحتلال "الإسرائيلي".
غير أن الوقائع التاريخية تكذب هذه الرواية. فالمشروع الصهيوني لم يكن يستهدف فلسطين وحدها بل حمل منذ نشأته أطماعاً توسعية في المنطقة العربية بأسرها. وقد عبّر قادة الاحتلال عن هذه الأطماع مراراً وتكرارا. عبر تصريحات مباشرة، ووثائق مكتوبة، وتقارير لمراكز أبحاث صهيونية. وكان آخرها ما أظهره بنيامين نتنياهو من خرائط لما يسمى "إسرائيل الكبرى". كما أن الاعتداءات والاجتياحات "الإسرائيلية" للبنان سبقت وجود الثورة الفلسطينية واستمرت بعدها بما يؤكد أن العدوان "الإسرائيلي" نابع من مشروع توسعي لا من وجود اللاجئين الفلسطينيين.
وفي سياق السعي لإنهاء الوجود الفلسطيني أو على الأقل تصفية ملف اللاجئين، شهد لبنان واحدة من أخطر محطات تاريخه مع اندلاع الحرب الأهلية في 13 نيسان/أبريل 1975 إثر استهداف حافلة تقل مدنيين فلسطينيين في منطقة عين الرمانة في حادثة شكّلت شرارة الحرب.. ثم جاء الاجتياح "الإسرائيلي" عام 1982 ليستكمل هذا المسار عبر استهداف المقاومة الفلسطينية وارتكاب المجازر بحق المدنيين وفي مقدمتها مجزرة صبرا وشاتيلا في محاولة لدفع الفلسطينيين إلى الهجرة وفتح أبواب اللجوء نحو أوروبا تمهيداً لتصفية قضية اللاجئين وإنهاء حق العودة.
ومع خروج المقاومة الفلسطينية من لبنان إلى المنافي بقي اللاجئون الفلسطينيون بلا مظلة سياسية تحمي حقوقهم اليومية لتبدأ مرحلة جديدة من الوعود الرسمية المتكررة بمعالجة أوضاعهم القانونية والاجتماعية وتعاقبت الحكومات وشُكّلت اللجان ورفعت الشعارات وتحدث المسؤولون عن "تنظيم" الوجود الفلسطيني و"قوننته". إلا أن شيئاً جوهرياً لم يتحقق، بينما بقيت الحقوق المدنية رهينة التجاذبات السياسية.
وفي موازاة ذلك لم يقتصر تعثر معالجة الملف الفلسطيني على الأداء الرسمي اللبناني بل زاد المشهد تعقيداً غياب مرجعية فلسطينية رسمية تتبنى الدفاع الحقيقي عن حقوق اللاجئين في لبنان. فمنذ توقيع اتفاق أوسلو اتجهت قيادة السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس إلى مسار سياسي يرى كثيرون أنه أضعف مكانة قضية اللاجئين في أولويات المشروع الوطني وفتح الباب أمام مقاربات تتناول السلاح الفلسطيني في لبنان باعتباره عبئاً ينبغي إنهاؤه، متجاهلة رمزيته بوصفه أحد عناوين المقاومة للاحتلال ومتناسية أن معالجة أوضاع المخيمات يجب أن تنطلق من حماية حقوق اللاجئين وثوابتهم الوطنية وفي مقدمتها حق العودة، وليس من خلال الاستجابة لضغوط تستهدف إنهاء أحد أهم ملفات القضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق بدا أن هناك تقاطعاً في بعض المحطات بين مقاربة السلطة الفلسطينية ومواقف جهات لبنانية ودولية دفعت باتجاه إنهاء ملف السلاح الفلسطيني والوجود
السياسي للاجئين الأمر الذي أضعف الموقف الفلسطيني التفاوضي ومنح خصوم القضية مساحة أوسع لفرض وقائع جديدة على حساب حقوق اللاجئين وثوابتهم الوطنية.
وتُعد تجربة لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني مثالاً واضحاً على هذا التعثر فقد تعاقب على إدارتها عدد من المسؤولين وطرحت مبادرات وأفكاراً عديدة.. لكن الفلسطيني لم يلمس نتائج حقيقية رغم مرور أكثر من خمسة وسبعين عاماً على اللجوء. ولعل من أكثر المفارقات إثارة للاستغراب أن مشروع البطاقة الرقمية الخاصة باللاجئين الفلسطينيين لا يزال يدور في حلقة الدراسات والإعلانات منذ سنوات رغم الحديث عن توفير تمويل من الجهات المانحة من دون أن يرى المشروع النور حتى اليوم.
وينطبق الأمر نفسه على ملف حق العمل وحرمان الفلسطيني من ممارسة اكثر من سبعين مهنة، وبقيت مشاريع القوانين الخاصة بمنح الفلسطينيين حقوقاً مدنية أساسية حبيسة الأدراج رغم ما يملكه أبناء الشعب الفلسطيني من كفاءات علمية ومهنية يمكن أن تسهم في خدمة المجتمع اللبناني. لكن سياسة التمييز والإقصاء استمرت واتسعت الفجوة بين الشعارات والممارسات ليبقى الفلسطيني محروماً من أبسط حقوقه الإنسانية.
ويأتي ما صدر مؤخراً بشأن المادة (63) المتعلقة بالإعلام ومشغلي المواقع الإعلامية ليعزز المخاوف من استمرار نهج التضييق على الوجود الفلسطيني بما يضيف قيوداً جديدة بدل الاتجاه نحو معالجة عادلة ومنصفة، ويغذي شعوراً بأن هناك من يسعى إلى دفع الفلسطيني نحو الهجرة باعتبارها الحل الوحيد أمامه.
لذا نرى إن المطالبة بإنصاف اللاجئ الفلسطيني في لبنان ومنحه حقوقه المدنية والإنسانية لا تتعارض مطلقاً مع التمسك بحق العودة ولا تشكل بأي حال مدخلاً للتوطين كما يحاول البعض تصويرها. فالحقوق المدنية ليست بديلاً عن الوطن ولا تلغي الهوية الوطنية الفلسطينية بل تمنح اللاجئ الحد الأدنى من الكرامة والاستقرار ليبقى أكثر قدرة على التمسك بقضيته، وأكثر استعداداً لمواصلة نضاله المشروع حتى العودة إلى أرضه التي هُجّر منها.
وانطلاقا من هنا نقول بوضوح إن استمرار التعامل مع الفلسطيني باعتباره عبئاً أمنياً أو اقتصادياً لن يحل أزمات لبنان لأن أسباب تلك الأزمات أعمق بكثير من وجود لاجئين حُرموا من حقوقهم الأساسية.. أما الطريق الصحيح، فيبدأ بإقرار العدالة واحترام الكرامة الإنسانية والتفريق بين رفض التوطين الذي يجمع عليه اللبنانيون والفلسطينيون، وبين حرمان اللاجئ من أبسط حقوقه المدنية التي لا تنتقص من حق العودة، بل تعززه وتحفظه حتى يحين يوم العودة إلى فلسطين...
---------------
*يوسف أبو سامر موسى / كاتب و باحث سياسي
– مسؤول العلاقات الفلسطينية لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين/لبنان
الخميس 16 تموز 2026