👈قبيل الانتخابات وجد بنيامين نتنياهو لنفسه خصما استراتيجيا جديدا ومفيدا، تركيا. بدأت العداوة بين (الجانبين)، خاصة بين رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو والرئيس التركي رجب طيب اردوغان منذ زمن، ونية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح طائرات اف35 لصديقه في انقرة تثير بالتأكيد المخاوف في تل أبيب. مع ذلك، نتنياهو كعادته مؤخرا يخطو خطوات ابعد.
في يوم الثلاثاء زار رئيس الحكومة القاعدة البحرية في حيفا. وفي المستقبل القريب سنشاهد المزيد من هذه الزيارات من خلال استغلال الجيش الإسرائيلي سياسيا والتحايل على قواعد الانتخابات. وبسبب ضعفه في نظر الرأي العام نتيجة تهربه من المسؤولية عن احداث 7 أكتوبر، يسعى نتنياهو بجهد لاستعادة صورة “السيد امن”. وتعتبر الصور التي تجمعه مع كبار ضباط البحرية وجنود في الخدمة النظامية والتجنيد الاجباري بدون اخذ رأيهم، جزء من هذه الحملة.
وقد أوضح المقربون من نتنياهو ان الزيارة كانت بمثابة تحذير لتركيا. وتم الزعم بان الخطر يكمن في سعي تركيا لتقليد ايران في اغلاق مضيق هرمز، وفرض حصار بحري على إسرائيل يلحق الضرر أيضا بامداد الطاقة اليها. وهذا تصعيد متعمد للجبهة مع تضخيم حقيقي في جوهره وايصاله الى ابعاد غير واقعية في هذه المرحلة.
ويقول نتنياهو انه لا يعتبر تركيا عدوة، لكنه يخشى من ان الاتراك يريدون تدميرنا. وقد ذكرني هذا بطريقة معينة بحادثة التوتر المصطنعة مع القاهرة قبل سنتين، عندما بدأ مراسلون من مؤيدي نتنياهو في تاجيج نار الحرب مع الجيش المصري. لم يتضح في تلك القضية، الا بعد فوات الأوان، ان الشرطة تشتبه في ان بعض مستشاري رئيس الحكومة المقربين نشروا معلومات مضللة بشكل متعمد لصالح قطر.
تواجه إسرائيل مشاكل حقيقية مع تركيا. فاردوغان يكره نتنياهو وينظر الى القوة العسكرية لإسرائيل كقوة معادية. وفي نفس الوقت يسعى الى تعزيز هيمنة إقليمية في شرق المتوسط، ويروج لتحالف مع الرئيس السوري احمد الشرع. ومن المرجح ان يعزز الاتراك سيطرتهم على سوريا ويعيدون تجهيز جيشها. وهذا بالتأكيد ليس نبأ مفرح لإسرائيل.
ولا تقل قضية طائرات اف 35 اثارة للقلق. يسعى ترامب الذي تحركه غرائزة ومصالحه، لكنه لا يتصرف عادة حسب خطة استراتيجية منهجية، الى اخراج الصفقة من التجميد. هذا يأتي بعد ان أوقفت الولايات المتحدة تزويد تركيا بالطائرات المتقدمة خلال ولايته الأولى في العام 2019. وقد حدث ذلك عندما اشترى اردوغان صواريخ “اس 400” المتقدمة من روسيا، واعترض البنتاغون وبحق على امتلاك تركيا لافضل ما في التكنولوجيا الجوية الامريكية، وعلى الأنظمة الوحيدة القادرة على اسقاطها.
ما يتم تجاهله هو ان الولايات المتحدة احتفظت منذ ذلك الحين بست طائرات اف35 مخصصة لتركيا في احدى قواعدها الجوية، بل وخصصت 30 مليون دولار لصيانتها. وقد اصدر ترامب تصريحات في الفترة الأخيرة حول نيته تجديد الصفقة كبادرة امتنان لصديقه اردوغان (بل زعم الرئيس ان نظيره التركي بفضل الصداقة بينهما امتنع في اللحظة الأخيرة عن الانضمام الى حرب ايران ضد إسرائيل، وهذا ادعاء يظهر انه مبالغ فيه).
واضح ان تركيا ستحصل على اكثر من ست طائرات. وقد عارض نتنياهو الصفقة علنا في مقابلة مع “فوكس نيوز” الامريكية، الامر الذي اثار انتقادات شديدة من قبل ترامب. تبدو فرصة إسرائيل في افشال الصفقة ضئيلة، لا سيما مع تخوف نتنياهو من مواجهة مباشرة مع ترامب. عمليا، يحتاج الامر اغلبية ثلثي الأصوات في الكونغرس لتجاوز حق النقض الرئاسي. ويثور جدل آخر في الإدارة الأمريكية. ففي حالة عدم التوصل الى اتفاق ستسعى تركيا الى شراء احدث الطائرات الروسية، الامر الذي سيزيد تعقيد العلاقات في داخل الناتو.
لن يتم ذكر قمة الناتو في هذا الأسبوع كقمة تظهر براعة الرئيس الأمريكي. فقد ظهر ترامب مرتبك اكثر من العادة، وخلط بين زيلينسكي وبوتين، وبين ايران و”جمهورية اليابان الإسلامية”؛ حيث توسع بالحديث بلا هوادة وظهر كأنه عالق في دوامة لا تنتهي من الشتائم مع قادة الدول الأخرى، سواء كانوا حلفاء أو خصوم. وعندما التقى احمد الشرع الذي دعي للقوة كضيف لاردوغان مع ترامب، اعرب ترامب عن تقديره لنتنياهو، وفي نفس الوقت وبخه لتدخله في صفقة طائرات اف 35، يصعب فهم ما كان يهدف اليه.
ويزداد هذا الامر أهمية فيما يتعلق بايران. ففي منتصف الأسبوع ازداد التوتر في الخليج، الامر الذي دفع ترامب الى تصعيد تهديده للنظام في ظهران. وتسعى ايران التي لا تثق بوعود أمريكا الواردة في مذكرة التفاهم التي وقعت في الشهر الماضي، الى فرض حقوقها الخاصة في مضيق هرمز، بل واطلقت النار على عدد من السفن التي عبرت المضيق رغما عنها القريب من سواحل سلطنة عمان.
ومنذ ذلك الحين تشن الولايات المتحدة هجمات في ايران، التي ردت باطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على عدد من جاراتها في الخليج، باستثناء إسرائيل. امس اطلقت ايران 10 صواريخ على الأردن تم اعتراض 8 منها، وهددت باستمرار اطلاق الصواريخ على القواعد العسكرية الامريكية في المنطقة.
وما زالت الولايات المتحدة تملك أدوات تحت تصرفها. ففي منتصف الأسبوع أعلنت وزارة الخزينة الامريكية في واشنطن الغاء الاعفاء من العقوبات المفروضة على تصدير النفط الإيراني، وهذا احد ابرز إنجازات ايران في مذكرة التفاهم. ويتوقع بالتأكيد حدوث المزيد من السخونة.
مع ذلك، في الوقت الحالي ورغم تصاعد حدة لهجة ترامب، يبقى مشكوك فيه اذا طرأ أي تغيير على نهجه الأساسي، الذي يعارض استئناف الحرب الشاملة في المنطقة. لا بد ان تعود الأطراف الى طاولة المفاوضات في وقت ما بعد اندلاع الحرب. وفي الوقت الحالي تبدو احتمالية انخراط إسرائيل فيها ضئيلة.
اما نتنياهو فيبدو انه يهتم بتاجيج التوتر في كل فرصة تسنح له. ايران تغريه، لكنها تعتمد على ترامب، أما وقف اطلاق النار في لبنان فيتم الحفاظ عليه بدرجة كبيرة بتصميم من الولايات المتحدة. قد يكون الوضع في قطاع غزة مختلف، لذلك تتسرب التكهنات حول حرب وشيكة هناك الى وسائل الاعلام.
يجب على رئيس الأركان، ايال زمير، الذي نجح في وقف اندفاع الحكومة في قطاع غزة قبل سنة تقريبا، عشية صفقة الرهائن الأخيرة في تشرين الأول، اظهار اليقظة في هذه المرة. ولكن رغم لهجة نتنياهو العدائية والواثقة ولحظاته المتوترة أحيانا الا انه ما زال يواجه صعوبة في تجاهل حقيقة واحدة، من المرجح ان تؤثر على حسابات الناخبين في تشرين الأول القادم، وهي أن تجاهل النمو الكبير لقوة حماس وحزب الله حتى حدوث المذبحة، كان في معظمه في فترة ولايته.
👈حرب ضد الحقيقة
في كلمة القاها في احتفال تخريج في كلية الامن القومي، قال زمير ان الجيش الإسرائيلي على وشك بلوغ الحد الأدنى في حجمه في مواجهة التهديدات التي تواجهه. وحذر بالقول: “منذ 7 أكتوبر اصبح الوضع واضح اكثر. يجب علينا توسيع صفوف الجيش الإسرائيلي بشكل كبير حتى يتمكن من تنفيذ كل المهمات الموكلة اليه، تقع المسؤولية علينا جميعا. فالجيش الإسرائيلي مطلوب للجميع. لا يجوز لنا التخلي عن واجبنا في الدفاع عن الدولة”.
هذه التصريحات تستهدف بوضوح الى جهود الائتلاف لاضفاء الشرعية على قانون الاعفاء من الخدمة للحريديين. وتنضم الى سلسلة التحذيرات الصادرة عن الجيش الإسرائيلي بشان وضع القوة البشرية في الجيش. في الأشهر التي سبقت الحرب تجاهل نتنياهو تحذيرات صريحة من كبار المسؤولين في الجيش والشاباك حول اثار الازمة السياسية والقانونية على قوة إسرائيل، كما تنعكس في نظر اعدائها. ان تجاهله الحالي لهذه التحذيرات لا يقل خطرا. تبين ان التمييز المحيط بالاعفاء المعطى للحريديين هو احد القضايا التي تثير غضب جنود الاحتياط، الذين تم استدعاء الكثيرين منهم هذه السنة للخدمة لمدة مئة يوم.
في نفس الوقت يتصاعد التوتر في الساحة الداخلية قبل الانتخابات، لا سيما فيما يتعلق بصراع الائتلاف ضد المحكمة العليا والمستشارة القانونية للحكومة، ومسالة الجهة التي ستخضع لها قوات الامن وسلطات انفاذ القانون في حالة اندلاع ازمة قانونية. كان ظهور مثل هذا النزاع سيصدم معظم الإسرائيليين قبل بضع سنوات فقط. في الأيام الأخيرة اصدر المفتش العام للشرطة داني ليفي ورئيس الشاباك دافيد زيني تصريحات مطمئنة، خاصة فيما يتعلق باحترام نتائج الانتخابات. ولكن هذه الاقوال المتفائلة سبقتها تصريحات مقلقة لزيني حول ولاءه للقيادة السياسية، وهو ما يضاف الى تأكيد نتنياهو المتكرر على توقع الولاء من رؤساء الأجهزة الأمنية. في ظل هذه الظروف يصعب تهدئة الوضع.
في نفس الوقت يحاول الائتلاف تعزيز روايته التي تهدف الى تبرئة نتنياهو من أي مسؤولية عن التقصير الذي مكن من حدوث 7ٱكتوبر. في مقابلة في هذا الأسبوع اثار نتنياهو احتمالية ان يكون كبار المسؤولين في الجيش الإسرائيلي وفي الشاباك لم يحذروه خشية اتخاذه موقف حازم جدا من حماس.
وفي نفس الوقت اقرت الكنيست بالقراءة الأولى بأغلبية أصوات الائتلاف، اقتراح تشكيل لجنة تحقيق سياسية في المذبحة. ولن يتم استكمال هذه الخطوة قبل الانتخابات ولكن هدفها واضح، وهو تأجيل التحقيق الرسمي والمستقل بقدر الإمكان ومنع اجراء تحقيق شامل.
هذا الأسبوع شاهدت قرب بيتي ملصق جديد على سيارة قديمة مكتوب عليه “لن تموت الروك آند رول ابدا”، الى جانب صورة لآخر ضحايا الحرب، وهو شاب لم يكن تجند للجيش في 7 أكتوبر. لا اعرف ما الذي تفكر فيه عائلة الجندي الذي سقط من اجل تحقيق شامل للحرب. ولكن الواضح، استنادا الى لقاءات كثيرة من العائلات الثكلى وسكان بلدات الغلاف، هو مدى الحاحية هذه القضية بالنسبة لكثيرين منهم. وتشير الاستطلاعات الى تأييد اغلبية واضحة لتشكيل لجنة تحقيق رسمية.
مع ذلك، تبذل الحكومة جهدها لتجنب ذلك، وهي ستخوض معركة استنزاف لتعويق ذلك حتى الانتخابات. ليس من الغريب ان تكون الأجواء متوترة جدا في أوساط العائلات الثكلى...
-------------------
المصدر:هآرتس
بقلم: عاموس هرئيلِ
التاريخ: 12/7/2026