وكالة القدس للأنباء - متابعة
لا تتوقف مظاهر انعدام ثقة "الاسرائيليين؟ (بكيانهم)، مما يجد ترجمته في مغادرتهم له، لكن الأمر وصل مرحلة خطيرة لأنه بات يمسّ العقول العلمية والكفاءات الأكاديمية، وصولا للأطباء المهرة الذين تشكل مغادرتهم جرس إنذار حقيقي لكيان الاحتلال.
خبير التكنولوجيا آفي بن هار، نقل معطيات جديدة عن "دراسة أجرتها جامعة تل أبيب، بإشراف البروفيسورات إيتاي آتر، ونيتاي بيرغمان، ودورون زامير، استنادًا لبيانات من المكتب المركزي للإحصاء وتراخيص وزارة الصحة، كشفت أن 949 طبيبًا غادروا إسرائيل عامي 2023-2024، وبما أن 440 طبيبًا عادوا إليها خلال تلك الفترة، فإن صافي المغادرة بلغ 509 طبيبا، وفي 2024 وحده، خسرت إسرائيل صافي 328 طبيبًا، وهذا رقم قياسي منذ بدء قياس هجرة الأطباء، وهجرة مفاجئة بعد عقد من الاستقرار النسبي".
ضرب النظام الصحي
وأضاف بن هاؤ في تقرير ترجمته "عربي21" أن "هذه الموجة من الهجرة كفيلة بأن تضرب نظامًا صحيًا إسرائيليا يعاني أصلًا من تراجع كثافة الأطباء، وشيخوخة أعضائهم بمعدل يفوق المتوسط في الدول المتقدمة، لأن ربع الأطباء في إسرائيل يبلغون من العمر 67 عامًا أو أكثر، ويحذر الباحثون من "اختلال التوازن"، ودخول النظام الصحي فيها في حلقة مفرغة، ويربطون هذه الزيادة بالأزمة السياسية والأمنية التي تشهدها الدولة منذ نهاية 2022".
وأوضح أنه "وفقًا لاستطلاعات الرأي العام، فإن الدافع الرئيسي لهجرة الكوادر الطبية المتعلمة ليس الراتب، بل تراجع جودة الحكم في اسرائيل، وتدهور وضعها السياسي والأمني، والخوف على مستقبل أطفالهم".
وأكد الكاتب أنه "قبل أسبوعين نشر نائب مدير قسم جراحة عظام الأطفال في مركز إيخيلوف الطبي، بيري دانينو، مقالًا رأيًا على موقع DoctorsOnly الإلكتروني المتخصص بعنوان "التشخيص: فقدان الأمل"، واصفا كيف أغلق زميل كبير له، وهو مدير وحدة، عيادته، وغادر مع عائلته إلى نيوزيلندا، وادّعى أنه من بين 20 طبيباً متخصصاً عمل معهم منذ إكمال فترة تدريبه، غادر أكثر من ثلثهم، مع العلم أن هؤلاء ليسوا أطباء فاشلين، بل متميزين، وأن هذه "هجرة أمل"، وليست هجرة عقول عادية".
وأشار بن هار إلى أن "هذا المقال قد لا يعتبر دليلا دامغاً، وليس حقيقة مطلقة، لكن قوته تكمن في إشارته إلى اتجاه موثق بشكل منهجي، لأن البيانات الإحصائية تُظهِر من غادر تحديداً، وكم عددهم، ومتى، وهل هذا اتجاه جديد فعلاً، أم مجرد خلل إحصائي، فالبيانات المنهجية المتضمنة في دراسة "النتائج الحديثة حول الهجرة الإسرائيلية"، التي أجراها باحثون من جامعة تل أبيب، وفقاً لبيانات المكتب المركزي للإحصاء، إضافة لتراخيص وزارة الصحة، تتناول، من بين أمور أخرى، موضوع الأطباء".
الأرقام مفزعة
وشرح قائلا أنه "وفقاً للنتائج، غادر 949 طبيباً إسرائيلياً عامي 2023-2024، وعند احتساب الأطباء العائدين، يصبح صافي الهجرة 509 طبيبا، وفي عام 2024 وحده، غادر 530 طبيباً، وعاد 202، وبلغ العجز 328 طبيباً، وهو رقم قياسي منذ بدء رصد هجرة الأطباء، مع العلم أنه لا تكمن الأهمية في الرقم بحد ذاته، بل في اتجاهه العام، فعلى مدى 13 عاماً تقريباً، تذبذب العجز في هجرة الأطباء ضمن نطاق مستقر نسبياً، بين صفر و130 طبيباً سنوياً".
وأضاف بن هار أنه "منذ عام 2021، طرأ تغيير حاد، فمن 116 طبيباً في 2021، إلى 135 طبيباً في 2022، ثم إلى 181 طبيباً في 2023، وأخيراً إلى 328 طبيباً في 2024، أي بزيادة قدرها 2.5 ضعف في ثلاث سنوات فقط، ودفع هذا الانحدار الحاد والمستمر الباحثين لوصف الوضع بأنه "اختلال في التوازن"، لأن الدراسة تُعرّف "المهاجر" بأنه الشخص الذي يقيم خارج إسرائيل لأكثر من 270 يوماً في السنة الأولى، لذا لا يشمل ذلك الأطباء الذين ينتقلون لفترات قصيرة".
وأوضح الكاتب أن "الإحصاء لا يشمل الأطباء المهاجرين الذين انضموا للنظام الصحي خلال تلك الفترة، لأن الأرقام كفيلة بطرح سؤال عن مدى وجود نقص في الأطباء في إسرائيل حتى قبل موجة الهجرة الحالية التي لم تحدث من فراغ، بل في نظام مُرهَق أصلاً، وفقًا لتقرير القوى العاملة الصادر عن وزارة الصحة في مارس 2025، فقد بلغ عدد الأطباء في إسرائيل عام 2022 نحو 3.5 طبيب لكل 1000 نسمة، وهو أقل من المتوسط في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وبلغ 3.7 طبيب لكل 1000 نسمة".
وأكد بن هار أن "الأسوأ من ذلك هو التركيبة العمرية، ففي نهاية عام 2023، بلغ عدد الأطباء المسجلين في إسرائيل 46,981 طبيبًا، تجاوز ربعهم سن 67 عامًا، مقارنةً بنسبة 17% فقط عام 2010، وتُعدّ القوى العاملة الطبية في إسرائيل من بين الأكبر سنًا في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ولذلك يُتوقع أن يتفاقم النقص أولًا، أي أن الموجة المتوقعة من التقاعد، وتراجع مصادر التدريب، والآن هجرة متسارعة للأطباء العاملين، كلها عوامل تصب في الاتجاه نفسه".
وشرح الكاتب "لماذا تختلف هجرة الأطباء عن باقي الهجرات، في ضوء أن الحجة الشائعة هي أن الهجرة مسألة مالية: أجور أعلى، وتكاليف معيشة أقل، لكن بيانات البحث تشير لصورة أكثر تعقيدًا بين الأطباء، ففي عام 2024، كان ثلثا الأطباء الذين غادروا تلقوا تدريبهم في مؤسسات إسرائيلية بزيادة مقارنة بنحو 60-65% في السنوات السابقة، ما يعني أن النظام الصحي الاسرائيلي يفقد المزيد والمزيد من الأطباء الذين تلقوا تدريبهم على حساب القطاع العام الإسرائيلي، ويتطلب استبدالهم سنوات عديدة، وهذا هو الفرق الجوهري".
خسارة رأس المال البشري
وأضاف أن "فقدان طبيب شاب قبل إكمال فترة إقامته خسارة لإمكانات كبيرة، وخسارة لرأس مال بشري ناضج بالفعل، من حيث المعرفة العلمية، والخبرة الجراحية، والقدرة على تعليم الجيل القادم، ولذلك لا يغادر الأطباء إسرائيل بحثاً عن رواتب أعلى، بل لأنهم فقدوا الأمل في حياة طبيعية فيها، بما يتوافق مع استطلاع رأي أجراه معهد الديمقراطية الإسرائيلي في نوفمبر 2025 جاء فيه أن الإسرائيليين ذوي الدخول المرتفعة والمهن ذات التنقل العالمي، وهي السمات المميزة للطبيب المخضرم - هم الأكثر ترجيحاً للتفكير في مغادرة إسرائيل".
وأكد أن "أكثر العوامل الدافعة "حدة" لهجرة الأطباء ليس الراتب، بل الوضع السياسي، وجودة الحكم، والانقلاب القانوني، والخوف على مستقبل أطفالهم، وانعدام الثقة الكلية بالدولة، ولذلك فإن الخطر لا يكمن في أعداد المغادرين بحد ذاتها، بل في ديناميكيات هذا الوضع، فكل طبيب يغادر يُضعف القسم الذي يتركه، ويزداد العبء على الأطباء المتبقين، ويتفاقم التسرب الوظيفي، وتتضاءل قدرة النظام على تدريب الأطباء المتدربين، ويصبح النظام الصحي الضعيف أقل جاذبية، وبالتالي يزداد حافز المزيد من الأطباء على التفكير في المغادرة".
وأوضح بن هار أن "كل حالة مغادرة للأطباء تزيد من حافز الزملاء على فعل ذات الشيء، وقد حذروا أنه بمجرد أن تتجاوز الأعداد عتبة حرجة، قد يكون عكس الاتجاه في غاية الصعوبة، مما يدفع للتساؤل عن دوافع الأطباء للهجرة إن لم يكن الراتب، بل غياب الثقة، ما يعني تآكل رأس المال البشري الذي يُخرّج أطباء المستقبل، ففي مسح مهارات البالغين الذي أجرته منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، احتلت إسرائيل المرتبة الأخيرة في القراءة والكتابة والرياضيات، وتُعد فجوات التحصيل بين فئات السكان من بين الأكبر في الدول المتقدمة".
وأضاف أن "الدراسات الاسرائيلية تشير إلى أن نسبة كبيرة من الأطباء، يغادرون بسبب فقدان الثقة، والخوف على مستقبل أبنائهم، ويُعدّ الطبيب الذي يغادر إسرائيل مثالًا على استنزاف أوسع نطاقًا، وربما يرتبط رحيلهم بسياسة الحكومة الحالية، لأن الظاهرة تزايدت بعد انتخابات 2022، في ضوء الترويج للانقلاب القانوني، والاحتجاجات ضده، وازداد حدةً منذ هجوم السابع من أكتوبر، واندلاع الحرب على غزة، لذلك، وجد الباحثون علاقة بين التوقيت السياسي والأمني والزيادة الكبيرة في ظاهرة الهجرة والمغادرة".
وسرد الكاتب أهم "النتائج المترتبة على مغادرة الأطباء لإسرائيل، مع أن نظام الرعاية الصحية العامة ليس ترفًا، بل بنية تحتية أساسية، ولا يتسبب شيخوخة النظام الصحي وتآكله في طوابير انتظار طويلة فحسب، بل يؤدي في الحالات القصوى لتأخر تشخيص الأمراض، لأنه عندما تبدأ إسرائيل بفقدان أطبائها الذين يصعب استبدالهم، فإنها تفقد أكثر من مجرد أطباء، خاصة وأن هناك اتجاها حادا لهجرتهم منها في ظل نظام يعاني أصلاً من نقص في الكوادر الطبية وشيخوخة السكان، وأزمة ثقة سياسية، تغذيها خلافات عميقة".
تشكل هذه الظاهرة مزيدا من الإنذارات الموجهة لدولة الاحتلال عن تراجع النخب العلمية والمهنية في مستقبلها، فضلا عن التبعات الاقتصادية والتنموية المترتبة عليها، بالتزامن مع تصاعد التهديدات المحيطة بها من الخارج.
