غزة - وكالات
مع مرور ألف يوم على عملية السابع من أكتوبر، خصّصت وسائل الإعلام الإسرائيلية سلسلة مواد تقييمية للحرب وتداعياتها العسكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، خلص معظمها إلى أن إسرائيل حقّقت إنجازات عسكرية في عدد من الساحات، لكنها أخفقت في ترجمتها إلى حسم سياسي أو استراتيجي، فيما تتواصل مظاهر الاستنزاف لديها على مختلف المستويات.
وفي هذا السياق، رأت «القناة 12» أن العقيدة الأمنية الإسرائيلية شهدت منذ 7 أكتوبر تحولاً جوهرياً تدريجياً؛ إذ لم تعُد تقوم على خوض حروب قصيرة تحظى بغطاء دولي ثابت، بل على إدارة حرب متعدّدة الساحات بصورة مستمرّة، مع إقامة مناطق عازلة واعتماد نهج يتيح لإسرائيل العمل حتى في مواجهة إيران، وأحياناً من دون الاتّكاء الكامل على الولايات المتحدة. لكن القناة اعتبرت أنه تمّ في أثناء بلورة تلك العقيدة إغفال «حدود القوة»، مشيرةً إلى أن «إسرائيل غير قادرة على تحمّل حروب طويلة، وذلك بسبب استنزاف الجيش النظامي وقوات الاحتياط، ومحدودية الذخائر وقدرات الإنتاج، فضلاً عن أن أيّ إنجاز عسكري يحتاج في نهاية المطاف إلى غطاء سياسي يفضي إلى اتفاقات قابلة للاستمرار». وإذ شدّدت على «ضرورة الإصغاء إلى الأعداء والإقرار بأن الضعف غير مقبول في الشرق الأوسط»، فهي دعت «في المقابل إلى عدم التعامل مع العالم العربي بوصفه كتلة واحدة، في ظلّ وجود شركاء عرب ينظرون إلى الواقع من زاوية قريبة من إسرائيل».
على أن المشكلة، بحسب القناة، لا تقتصر فقط على طول أمد الحرب و«وضع الجميع في سلّة واحدة»، بل تمتدّ إلى «غياب أيّ عملية تحقيق عميقة أو تحديد للمسؤوليات»، الأمر الذي أدى إلى تزايد العزلة الدولية وتراجع قيمة حياة الإسرائيليين، سواء في ملف الأسرى أو لناحية أعداد القتلى والجرحى، بالتوازي مع دفع سياسي داخلي نحو توسيع إعفاءات الخدمة العسكرية بدلاً من «تقاسم العبء». وفي هذا الإطار، ركزت «القناة 12» على التحوّل الذي أصاب الرأي العام الدولي، مشيرةً إلى أن «موجة التعاطف الواسعة التي أعقبت السابع من أكتوبر انقلبت تدريجياً مع اتّساع النظرة إلى سكّان قطاع غزة بوصفهم كتلة واحدة، وبفعل الخطابات والسياسات الإسرائيلية التي ألحقت بالدولة أضراراً على المستوى الدولي».
كما تناولت القناة أوضاع الجليل، معتبرةً أن «المنطقة خرجت من الحربَين الشمالية والجنوبية في حال هشاشة عميقة، مع نزوح الشباب، وتراجع النشاط الاقتصادي، وإنهاك القطاع الزراعي، وتحوّل المطلب الأوّل للسكان إلى استعادة الحياة المدنية قبل أيّ نقاش أمني». أمّا على المستوى الداخلي، فلفتت إلى أن «جراح الحرب لا تزال مفتوحة، وأن الأسئلة الجوهرية بقيت بلا إجابات، فيما لم يبدأ أيّ تحقيق رسمي، وتُواصل الحكومة سلوكاً يوحي بأنها لم تستخلص العبر».
ومن جهتها، نشرت «القناة 13» تحليلاً للمعلّق العسكري، ألون بن دافيد، وصف فيه الحرب بأنها حققت «إنجازات مبهرة» من دون أن تحقّق «نصراً واحداً». وأشار بن ديفيد إلى أنه بعد ألف يوم، لا تزال إسرائيل تقاتل في سبع ساحات، في حرب أوقعت 2042 قتيلاً إسرائيلياً وعشرات آلاف الجرحى والمصابين نفسياً. ورأى أن المفارقة الأساسية تكمن في أن حركة «حماس» تلقّت ضربات قاسية وفقدت جزءاً كبيراً من قوتها وقيادتها، إلا أن «إسرائيل فشلت في فرض سلطة بديلة في قطاع غزة، ما أبقى الحركة الحاكم الفعلي للقطاع، رغم ضعفها، مع استمرارها في التعافي والاستعداد لجولة قتال جديدة».
أمّا «محور الشر» الذي تقوده إيران، فـ«لم يُكسر رغم الضربات المتواصلة»؛ لا بل إن طهران استعادت، وفق هذا التقدير، جزءاً من شرعيتها الدولية، وانتعشت اقتصادياً بعوائد النفط، وعادت إلى تطوير مشروعها المعادي لتل أبيب. وفي خصوص لبنان، يعتبر الكاتب أن هذه الساحة قد تكون الوحيدة التي لا تزال تمنح إسرائيل «فرصة للنصر»، في ظلّ الضربات التي تعرّض لها «حزب الله»، لكنه يشدد على أن «الإنجاز العسكري لن يكتمل من دون ترتيبات سياسية تدعم الدولة اللبنانية وتعيد الأمن إلى شمال فلسطين المحتلة». ويخلص إلى أن الحرب لم تستنزف إسرائيل مادياً ونفسياً فحسب، بل أضعفت أيضاً مكانتها الدولية والإقليمية، وألحقت ضرراً بعلاقاتها مع الولايات المتحدة، بحيث أصبح وضعها الاستراتيجي، وفق تقديره، أسوأ ممّا كان عليه قبل اندلاع الحرب.
وفي «يديعوت أحرونوت»، انصبّ التركيز على التأثير السياسي الداخلي للحرب أكثر من تطوراتها العسكرية ونتائجها الاستراتيجية. ورأت الصحيفة أن السابع من أكتوبر شكّل «أكبر كارثة تواجهها إسرائيل منذ المحرقة، بعدما خلّف جرحاً وطنياً عميقاً ودمّر حياة مئات العائلات». وأشارت إلى أن الأيام الأولى بعد الهجوم شهدت حال شلل سياسي، رافقتها دعوات إلى المراجعة وتحمّل المسؤولية، وانضمام بيني غانتس وغادي آيزنكوت إلى الحكومة، إلى جانب مظاهر تعبئة سياسية ومجتمعية واسعة. إلا أن هذه الروح، بحسب الصحيفة، تلاشت مع مرور الوقت؛ إذ «انتقلت الحكومة من مرحلة الصدمة إلى مرحلة تثبيت بقائها السياسي، مع تعزيز تماسك الائتلاف الحاكم بوصفه شرطاً للاستمرار».
وعلى الصعيد الاقتصادي، قدّرت «يديعوت أحرونوت» أن الكلفة المباشرة للحروب منذ أكتوبر 2023، بلغت نحو 231 مليار شيكل حتى مطلع عام 2026، وهي كلفة مرشحة لتجاوز 300 مليار شيكل بحلول أكتوبر 2026. ومع إضافة خسائر الدخل القومي المقدَّرة بنحو 200 مليار شيكل، يرتفع إجمالي الثمن الاقتصادي إلى ما لا يقلّ عن نصف تريليون شيكل، أي ما يعادل نحو ربع الناتج المحلّي السنوي. وحذر التحليل من أن إسرائيل باتت أمام خيار مصيري: بين الحفاظ على تفوّقها العسكري أو حماية اقتصادها، وذلك في ظلّ وصول موازنة الأمن لعام 2026 إلى 170 مليار شيكل، ومطالبة الجيش بإضافة ما لا يقلّ عن 40 مليار شيكل، بالتزامن مع ضغوط يمارسها «صندوق النقد الدولي» لخفض العجز المالي ورفع الضرائب. وخلص إلى أن «الاقتصاد الإسرائيلي لن يكون قادراً على تحمّل استمرار الحرب على مختلف الجبهات من دون تجنيد واسع للحريديم والتوصّل إلى تسويات سياسية توقف الاستنزاف».
وفي موازاة ذلك، تابعت كلّ من «هآرتس» و«القناة 12» الاحتجاجات التي شهدتها «ساحة المخطوفين» ومواقع أخرى، حيث قالت عيناف تسنغاوكر، والدة الأسير السابق متان تسنغاوكر: «ألف يوم من الحرب. ألف يوم من الطمس. ألف يوم من الفشل»، متهمةً رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، «بتحويل بطولات الجنود إلى إنجازات مهدورة»، ومعتبرةً أن «الفشل يشكّل إرثه السياسي». كما ركّزت «هآرتس» على استمرار تنصّل المسؤولين السياسيين من تحمّل المسؤولية طوال ألف يوم، في مقابل بقاء عائلات القتلى والأسرى والجمهور في الشوارع للمطالبة بالحقيقة والمحاسبة. ونشرت الصحيفة أيضاً مقال رأي بعنوان «حفيدي لن يعود، لكن بعد ألف يوم، ماذا تعلّمنا؟»، تناول التحولات الأخلاقية والسياسية التي أحدثتها الحرب، معتبرةً أن «السؤال لم يعُد يقتصر على تحديد المسؤول عن الفشل، بل بات يتعلّق بما إذا كان المجتمع الإسرائيلي قد استخلص أيّ دروس حقيقية من تلك الكارثة».
المصدر: الأخبار اللبنانية
