قائمة الموقع

أربعة مسارات للالتفاف الأميركي: واشنطن تُفرغ «المذكرة» من مضمونها

2026-06-29T08:21:00+03:00
طهران - وكالات

لم تكد تمضي أيام قليلة على توقيع مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، حتى بدأت الولايات المتحدة تتحرّك في أكثر من اتّجاه لإعادة صياغة البيئة السياسية والأمنية التي يُفترض أن تطبَّق فيها بنود الاتفاق. ولا يبدو، بالنظر إلى تلك التحركات، أن الإدارة الأميركية تسعى إلى إسقاط المذكّرة أو الانسحاب منها مباشرة، بل إلى تفريغها تدريجياً من مضمونها العملي، عبر فرض وقائع جديدة تجعل الالتزامات التي نصّت عليها بلا قيمة فعلية، أو قابلة للتأويل بما يخدم المصالح الأميركية والإسرائيلية.

وتتوزّع هذه السياسة على أربعة مسارات متوازية: يبدأ الأول من لبنان، ويمتدّ الثاني إلى الخليج، ويتمحور الثالث حول مضيق هرمز، فيما يتّصل الرابع بإبقاء مستوى محسوب من الاحتكاك العسكري مع إيران. وبذلك، تحتفظ واشنطن بأدوات ضغط دائمة على طهران، من دون الذهاب إلى حرب شاملة معها، ومن دون منحها القدرة على ترجمة مكاسب المذكّرة سياسياً واستراتيجياً.

بالنسبة إلى المسار الأول، المتّصل بلبنان، يمكن القول إن الاتفاق الذي أُعلن قبل يومين، في واشنطن، بين الحكومتَين اللبنانية والإسرائيلية، يعيد صياغة البند الأول من مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية، بما ينسجم مع الرؤية الإسرائيلية. فبدلاً من الانسحاب الكامل خلال مهلة الستّين يوماً، منح الاتفاق الاحتلال شرعية سياسية للبقاء في الأراضي اللبنانية إلى أجل غير محدّد، وربَط أيّ انسحاب لاحق بشروط جديدة لم ترِد في المذكرة. كما وفّر غطاءً لاستمرار الاعتداءات الإسرائيلية داخل لبنان تحت عناوين أمنية، وفتَح الباب أمام تأثير إسرائيلي مباشر في القرار الأمني اللبناني، وخصوصاً في ما يرتبط بالجيش. والأخطر، أنه ربط إنهاء الاحتلال بنزع سلاح المقاومة من كامل الأراضي اللبنانية، وهو مطلب إسرائيلي - أميركي يدرك واضعوه أن تحقيقه شبه مستحيل في الظروف الحالية. وبذلك، يصبح الانسحاب الإسرائيلي مشروطاً بهدف غير قابل للتحقّق عملياً، ما يحوّل الاحتلال إلى ورقة ضغط طويلة الأمد، على المقاومة أولاً، وعلى إيران تالياً.

والهدف من كلّ ما سبق واحد واضح، وهو فصل المسار اللبناني عن المسار الأميركي - الإيراني، وإخراج الملف اللبناني من الالتزامات التي فرضتها مذكرة التفاهم. وفي هذا الإطار، لم تجد المصادر الأميركية والإسرائيلية واللبنانية، أيّ حرج في التصريح إلى موقع «أكسيوس»، أن «الهدف المشترك من الاتفاق هو إضعاف نفوذ حزب الله وإيران داخل لبنان».

أمّا المسار الثاني، فيتمثّل في الحراك الأميركي المكثّف داخل الخليج. إذ عكست جولة وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، الأسبوع الفائت، وما انتهت إليه من بيان مشترك صادر عن الاجتماع الوزاري الأميركي - الخليجي في المنامة، محاولة لإعادة بناء اصطفاف إقليمي يمنح واشنطن هامشاً أوسع لإدارة ملفّات المنطقة، بعيداً من القيود التي فرضتها المفاوضات مع طهران.

وبدا أن الزيارة تهدف إلى «طمأنة الحلفاء حيال الاتفاق مع إيران»؛ فدول الخليج تؤيّد مذكرة التفاهم علناً، كونها تريد وقف الحرب والهجمات الإيرانية على القواعد الأميركية على أراضيها وفي الممرّات البحرية، لكنها تخشى أن يُنتج الاتفاق «سلاماً ناقصاً إذا لم يعالج الصواريخ والمسيّرات والوكلاء». وإذ حمل البيان الوزاري المشترك الصادر عن اجتماع الطرفَين، رسائل واضحة بشأن «أمن الملاحة والتنسيق الدفاعي والالتزام بأمن الخليج»، رافضاً أيّ «رسوم أو ضرائب أو محاولات لفرض السيطرة على مضيق هرمز»، فقد أظهر محاولة الإدارة الأميركية، من طريق جولة روبيو الخليجية، تثبيت رسائل أساسية، أهمّها: رفض الرسوم على المضيق، ومنع تحويل الاتفاق إلى ترتيب «يضرّ بأمن الخليج».

وبالنسبة إلى المسار الثالث، فهو يَظهر في مضيق هرمز، حيث دفعت الولايات المتحدة ودول الخليج، سلطنة عُمان، نحو فتح ممرّ بحري مؤقّت لا يخضع مباشرة للنفوذ الإيراني. ومن شأن تثبيت هذا المسار أن يقلّص إحدى أهمّ أوراق القوة لدى طهران، أي قدرتها على التأثير في حركة الملاحة داخل المضيق، بما يمسّ ميزان الردع الذي كرسته مذكرة التفاهم. والجدير ذكره، هنا، أن سلطنة عُمان وإيران، كانتا قد أعلنتا «مواصلة المحادثات بشأن إدارة الملاحة والخدمات والتكاليف في المضيق»، لكن مسقط عادت وأعلنت -عقب جولة روبيو الخليجية- وبالتنسيق مع «المنظمة البحرية الدولية»، إتاحة «ممرّ بحري مؤقت لجميع السفن الراغبة في العبور، من دون رسوم». ولاحقاً، كشفت «رويترز» عن مباحثات إقليمية منفصلة عن المسار السويسري الأميركي - الإيراني، تتعلّق بالإدارة المستقبلية لهرمز، مشيرة إلى «إشراف أميركي» على المبادرة العمانية - الأممية، وعلى خيارَي العبور المتاحَين للسفن العالقة. كما أظهرت بيانات تتبّع الملاحة بدء استخدام ممرَّين: أحدهما شمالي في المياه التي تعدّها إيران خاضعة لرقابتها، والآخر جنوبي عُماني. غير أن المسار الجديد اصطدم سريعاً بالاعتراض الإيراني؛ إذ حذّرت طهران السفن من سلوك طرق لا تعتمدها هي، مؤكدة أن السلامة لن تكون مضمونة خارج المسارات التي تحدّدها السلطات الإيرانية. وتبعت ذلك عدّة استهدافات لسفن كانت تحاول سلوك المسار العماني.

أمّا المسار الرابع، فيقوم على إبقاء مستوى منخفض من الاحتكاك العسكري مع إيران في مضيق هرمز ومحيطه. فالولايات المتحدة لا تبدو معنيّة بالعودة إلى حرب واسعة، لكنها لا تريد أيضاً استقراراً كاملاً يتيح لطهران تحويل مذكرة التفاهم إلى مكاسب صافية. ولذلك، يشكّل التصعيد الحالي المحدود أداة ضغط دائمة، تبقي وقف إطلاق النار هشّاً وقابلاً للانهيار، وتسمح بإعادة الأطراف إلى حافة المواجهة عند الحاجة. بتعبير آخر، يراد من الاحتكاك العسكري تذكير إيران بالكلفة العسكرية لمحاولة مقاومة القواعد الجديدة التي تحاول الولايات المتحدة فرضها في لبنان والخليج ومضيق هرمز.

وإذا ما جُمعت هذه المسارات معاً، يتّضح أن واشنطن لا تُسقط مذكرة التفاهم مع طهران بصورة مباشرة، بل تعمل على إعادة تفسيرها عبر فرض وقائع جديدة. فهي تترك الاتفاق قائماً من الناحية الشكلية، لكنها تسعى إلى تعديل البيئة السياسية والعسكرية التي ولد فيها، بطريقة تجعل كثيراً من بنوده فاقداً لفاعليته، أو خاضعاً لشروط إضافية لم تكن جزءاً من التفاهم الأصلي. وبهذه المقاربة، تحاول الإدارة الأميركية الجمع بين هدفَين: الحفاظ على مسار التفاوض مع إيران، ومنع الأخيرة، في الوقت نفسه، من جني المكاسب السياسية والاستراتيجية التي يُفترض أن يوفّرها الاتفاق.

المصدر: الأخبار اللبنانية

اخبار ذات صلة