تواجه مفاوضات غزة تعقيدا جديدا بعد طرح خريطة من 15 نقطة بشأن ترتيبات الحكم والأمن والانسحاب الإسرائيلي، تضمنت شروطا واسعة تتعلق بتسليم الوظائف المدنية والأمنية إلى لجنة وطنية، وحصر السلاح، وتنظيم عمل الشرطة، ونشر قوة استقرار دولية، وربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من القطاع بتحقق تقدم في ملف السلاح.
وقال مصدر فلسطيني مطلع، اليوم الأحد، لـ"العربي الجديد"، إن الممثل السامي في "مجلس السلام" الخاص بغزة، نيكولاي ملادينوف، قدم قبل نحو أسبوع خريطة من 15 نقطة "تنسف التفاهمات السابقة" التي جرى بحثها مع الوسطاء في مدينة العلمين شمالي مصر، بشأن الانسحاب الإسرائيلي المتزامن من قطاع غزة، وحصر السلاح، والتعديلات التي قدمتها الفصائل الفلسطينية.
وبحسب المصدر، وهو من أحد الفصائل التي شاركت في حوار العلمين، فإن ما قدمه ملادينوف "عبارة عن استسلام كامل، وعرض للشروط الإسرائيلية التي ركزت على الأنفاق وحتى تسليم السلاح الشخصي للأفراد، وهذا أمر مرفوض تماما".
وتتمحور نقطة الخلاف الأساسية، وفق مصادر فلسطينية، حول نقل ملف السلاح من صيغة متزامنة مع الانسحاب الإسرائيلي إلى مسار مشروط وممتد، يخضع لتحقق دولي وتديره اللجنة الوطنية، بما يشمل الأسلحة الثقيلة والمخازن والأنفاق ومواقع الإنتاج العسكري، وصولا إلى السلاح الفردي في غزة.
وتنص النقطة السادسة من الخريطة على أن "الأفراد المخولون من قبل اللجنة الوطنية فقط هم الذين يحق لهم حيازة السلاح"، في إطار مبدأ "سلطة واحدة، قانون واحد، سلاح واحد"، وهو ما تعتبره الفصائل تجاوزا للصيغة التي طرحتها سابقا، والتي ربطت حصر السلاح بمراحل الانسحاب الإسرائيلي وبالترتيبات الانتقالية بعد المرحلة الأولى.
كما ترفض الخريطة، وفق المصدر، دمج شرطة حماس بصيغتها الحالية، وتتمسك بأفراد الشرطة الذين جرى تدريبهم حديثا. وتنص الصيغة المطروحة على دمج هؤلاء في هياكل الشرطة القائمة، على أن يخضع جميع أفراد الشرطة "لعملية فحص شامل"، فيما تعرض على من لا تنطبق عليهم المعايير "أدوار غير مسلحة بديلة" أو يحالون إلى التقاعد وفق القانون الفلسطيني.
وتشترط الخريطة أن "تُنقل جميع أسلحة الشرطة إلى سيطرة اللجنة الوطنية بمجرد دخولها إلى غزة"، وأن تكون اللجنة هي الجهة الوحيدة المخولة تسجيل السلاح وإصدار التراخيص وإلغائها، وإنفاذ القانون، بما في ذلك عبر برامج إعادة الدمج والدعم وإعادة الشراء.
وقال المصدر الفلسطيني إن الخريطة الجديدة التي قدمها ملادينوف "مليئة بالإملاءات الإسرائيلية والشروط دون أي التزام إسرائيلي واحد". ونقل "العربي الجديد" عن مصدر فصائلي آخر أن ملادينوف "أخبر الوسطاء بشكل واضح بأن اللجنة الوطنية لن تدخل قطاع غزة إلا بعد موافقة حماس والفصائل على هذه النقاط بشكل كامل".
وتستند الخريطة، بحسب الصيغة التي حصلت عليها الصحيفة، إلى خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الشاملة لتحقيق السلام في غزة، وقرار مجلس الأمن رقم 2803 لعام 2025، باعتبارهما "الإطار الدولي المتفق عليه" لتنفيذ العملية. وتقول الصيغة إن الهدف هو "إنهاء دائرة الدمار وتأمين انسحاب إسرائيلي إلى محيط غزة واستعادة الحياة الطبيعية وتمكين حكم فلسطيني وإعادة الإعمار والأمن والتعافي الاقتصادي"، بما يهيئ، وفق النص، "الظروف اللازمة لوجود مسار موثوق به لحق تقرير المصير الفلسطيني وقيام الدولة".
وتلزم الخريطة إسرائيل باستكمال "كافة الالتزامات المتبقية بموجب بروتوكول شرم الشيخ" الموقع في تشرين الأول/ أكتوبر 2025 "بشكل كامل وبدون تأجيل"، في مقابل أن توقف حماس والفصائل الفلسطينية "بشكل فوري كافة الأنشطة العسكرية" بما يتوافق مع خطة ترامب وبروتوكول شرم الشيخ، على أن يجري بالتوازي إنجاز الجدول الزمني وآليات التنفيذ الملحقة.
وتربط الخريطة الانتقال بين المراحل بإنجاز التزامات المرحلة السابقة "بشكل يتم التحقق منه"، على أن تصادق على ذلك لجنة تحقق دولية مدعومة بآلية مراقبة معززة. وبذلك لا يجري الانتقال إلى المرحلة التالية تلقائيا، بل يصبح مرهونا بتقييم دولي لمستوى التنفيذ.
وفي ملف الحكم، تطالب الصيغة حماس والفصائل الأخرى بالموافقة على تسليم "كافة وظائف الحكم المدني والأمني في غزة"، بما يتماشى مع البند 13 من خطة ترامب، والتأكيد أن اللجنة الوطنية ستتمتع "باستقلالية كاملة" في تنفيذ مسؤولياتها، وأن الفصائل "لن تتدخل في شؤون اللجنة خلال الفترة الانتقالية".
هجمات الاحتلال تتواصل؛ الدخان يتصاعد إثر دخان غارة في دير البلح
وتنص الخريطة على أن اللجنة الوطنية، عند توليها المسؤوليات، ستحافظ "كلما أمكن ذلك" على استمرارية الوظائف المدنية والإدارية الأساسية وسجلات الأحوال المدنية، وأن التعامل مع الموظفين العموميين سيكون "بشكل قانوني وعادل وبكرامة وباحترام كامل لحقوقهم"، على أن تتحمل اللجنة فقط الأعباء المالية التي تنشأ من تاريخ توليها المسؤولية وما بعد ذلك.
أما في البند المتعلق بحصر السلاح، فتحدد الخريطة أن العملية تبدأ بعد استكمال الالتزامات المتبقية في بروتوكول شرم الشيخ، ودخول اللجنة الوطنية، ونشر قوة الاستقرار الدولية. وتشمل العملية "جميع الأسلحة الثقيلة ومستودعات السلاح والأسلحة المخزنة بها والأنفاق ومواقع الإنتاج العسكري"، على أن تتم إدارتها من اللجنة الوطنية تدريجيا وبشكل متسلسل، وبجدول زمني يرتبط بانسحاب إسرائيلي على مراحل من المناطق التي يسيطر عليها في غزة.
وتؤكد الصيغة أن العملية تخضع لقيادة فلسطينية، وأن السيطرة على الأسلحة وتخزينها ستُنقل إلى اللجنة الوطنية "وليس لإسرائيل أو لأطراف غير فلسطينية"، على أن يشارك "كافة الفلسطينيين" في عملية حصر السلاح. وتنتهي العملية، وفق النص، بأن "لن تحتفظ حماس والفصائل بأي أسلحة أو تخزنها أو تسيطر عليها أو تكون قادرة على الوصول إليها".
وتلزم الخريطة الفصائل المسلحة، ضمن جدول زمني متفق عليه، بأن يتم حصر سلاحها وتخزينه تحت سلطة اللجنة الوطنية، فيما تكون لجنة التحقق الدولية مسؤولة عن التثبت من تنفيذ ذلك. كما تنص على توقيع "اتفاق للسلم الاجتماعي" يتضمن التزامات ملزمة بالوقف الفوري للاقتتال الداخلي والعنف، وتجنب الانتقام واستعراض القوة والعروض العسكرية والتظاهرات المسلحة.
وتقترح الصيغة نشر قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة بين القوات الإسرائيلية والمناطق التي تسيطر عليها اللجنة الوطنية، مع التأكيد أنها "لن تقوم بأي مهمة أو مهام شرطية تتعلق بالمجتمع الفلسطيني"، وأن دورها سيكون دعم حصر السلاح، وتدريب الشرطة الفلسطينية ومساندتها، ومراقبة التزام الأطراف بوقف إطلاق النار، وتأمين دخول المساعدات والاحتياجات الأساسية، ومساعدة العمليات الإنسانية وحمايتها.
وتنص الخريطة على أن تستكمل القوات الإسرائيلية انسحابها إلى محيط غزة على مراحل، وفق جدول زمني متفق عليه، وبما يرتبط بإحراز تقدم يتم التحقق منه في عملية حصر السلاح، استنادا إلى البند الثامن من الخريطة والبند 16 من خطة السلام الشاملة في غزة. كما تحصر مسؤولية التعامل مع الحوادث الأمنية الداخلية باللجنة الوطنية.\
وتختتم الصيغة بالإشارة إلى أن إعادة إعمار قطاع غزة ستنفذ وفق خطة يضعها مجلس السلام واللجنة الوطنية، في مسار يجعل الحكم والأمن والسلاح والإعمار ضمن إطار واحد، لكنه يضع، في قراءة الفصائل، قيودا مسبقة على دخول اللجنة إلى القطاع، ويجعل الانسحاب الإسرائيلي مشروطا بتقدم قابل للتحقق في تفكيك البنية العسكرية للفصائل.