قائمة الموقع

اختطاف الثورة لصالح الثروة: حين سُرقت البندقية من أصحابها وأهمية استعادتها!

2026-06-23T16:14:00+03:00
يوسف أبو سامر موسى*

منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة وتأسيس إطار "منظمة التحرير الفلسطينية"، شكّلت الثورة عنواناً جامعاً للشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، والتحرير هدفا للكل الفلسطيني. واستطاعت رغم التباينات الفكرية والأيديولوجية والتنظيمية بين الفصائل والقوى الوطنية أن تخلق حالة من الإجماع حول الهدف المركزي المتمثل في تحرير فلسطين (المحتلة عام 48) واستعادة الحقوق الوطنية المغتصبة.

وقد امتزجت في تلك المرحلة تضحيات الشهداء والأسرى والجرحى مع الأغاني والأناشيد الوطنية التي عبّرت عن وجدان الشعب الفلسطيني وآماله في التحرير والعودة. ونجحت الثورة الفلسطينية في تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية على الساحة الدولية، وتحولت إلى ممثل سياسي للشعب الفلسطيني بفضل حالة الالتفاف الشعبي الفلسطيني والعربي الواسعة، حول مشروعها التحرري..

 غير أن هذا المسار لم يبقَ ثابتاً على أهدافه الأولى، إذ بدأت تظهر داخل بعض دوائر القيادة توجهات سياسية جديدة، رفعت شعارات الواقعية السياسية والتسوية المرحلية، وطرحت مبادرات كان أبرزها البرنامج المرحلي أو ما اصطلح على تسميته "برنامج النقاط العشر"، الذي أدخل تعديلا جوهريا على الهدف المركزي للثورة، الذي تحول من التحرير الشامل، إلى إقامة السلطة الوطنية المقامة على أي شبر يتم تحريره (وكان المقصود طبعا أراضٍ بالضفة الغربية المحتلة) وصولا إلى خيار المفاوضات التي قادتها شخصيات مؤثرة داخل المنظمة وصولاً إلى اتفاق أوسلو الذي شكّل نقطة التحول الأخطر في تاريخ القضية الفلسطينية المعاصرة.

لم يكن أوسلو مجرد اتفاق سياسي بل مثّل انتقالاً تدريجياً من مشروع التحرير إلى مشروع السلطة ومن الثورة إلى الإدارة ومن البندقية إلى التنسيق الأمني. والأخطر من كل ذلك، أن اتفاق أوسلو قدم لكيان العدو الصهيوني اعتراف "منظمة التحرير" بالعدو  الغاصب وشرعنة وجوده على 78% من الأرض فلسطين التاريخية. 

ومع هذا الاتفاق الخياني، بدأت معالم الانقسام في الساحة الفلسطينية تتعمق، دفع معها الشعب الفلسطيني أثماناً باهظة على المستويين الوطني والاجتماعي، كما انعكست تداعيات ذلك النهج والمسار العبثي، على مخيمات الشتات وخاصة في لبنان، حيث شهدت مراحل من الصراع والاقتتال الداخلي الذي استنزف الطاقات وأزهق الأرواح ودمّر الممتلكات.

 ومع مرور الوقت، وإحلال منطق السلطة وأجهزتها الأمنية مكان أهداف المنظمة المركزية وذلك لصالح منظومة بيروقراطية وأمنية واقتصادية باتت مرتبطة بمصادر التمويل والمساعدات الخارجية أكثر من ارتباطها بأهداف شعبها. وأصبح الانتماء إلى مؤسسات السلطة وبخاصة أجهزتها الأمنية وما تبقى من موروث المنظمة الفارغة من مضامينها التحررية، وسيلة للعيش وتأمين الراتب.. في مشهد يعكس حجم الابتعاد عن فلسطين وأهداف شعبها..

وأحكمت طبقة من المتنفذين والمستفيدين الذين قبضوا على مفاصل القرار السياسي والأمني والاقتصادي، فتضخمت مصالحهم الشخصية على حساب المصلحة الوطنية وتعمقت مظاهر الفساد والمحسوبية وتم تقديم الولاء الشخصي على الكفاءة والتاريخ النضالي وأصبحت مواقع المسؤولية تُمنح وفق معايير القرب من مراكز النفوذ لا وفق معايير التضحية والعطاء..

 وهكذا جرى تهميش كثير من الكوادر والمناضلين الحقيقيين بينما صعدت إلى الواجهة شخصيات لا تملك رصيداً أو حضورا نضالياً يبرر صعودها الى سدة المسؤولية.

وبذلك تم "اختطاف الثورة لصالح الثروة" وحلّت المصالح المادية محل المبادئ وتقدمت الامتيازات الشخصية على حساب المشروع الوطني وتحول جزء من القرار السياسي إلى رهينة للتمويل والارتباطات الخارجية ولم يقتصر الأمر على ذلك بل امتد إلى التلاعب بحقوق الشهداء والأسرى وعائلاتهم الذين دفعوا أثماناً باهظة دفاعاً عن القضية ليجد الكثير منهم في مواجهة الإهمال أو التهميش أو الإذلال..

 ومع ذلك فإن قراءة الواقع الفلسطيني لا تكتمل دون الإشارة والتأكيد على أن جذوة المقاومة لم تنطفئ، وبرزت حركات وقوى مقاومة أعادت تثبيت معادلة الصراع مع الاحتلال وقدمت رؤية مختلفة أعادت الاعتبار لخيار المقاومة والتحرير والعودة.

وفي هذا السياق شكّل حدث "طوفان الأقصى" محطة مفصلية في تاريخ الصراع الفلسطيني "الإسرائيلي" إذ أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة الاهتمام الدولي (على المستوى الشعبي والأكاديمي، على المستوى العالمي) وتم فضح حجم الجرائم والانتهاكات التي يرتكبها الاحتلال وكل داعميه في الإدارات الرسمية الأميركية والأوروبية بحق الشعب الفلسطيني.. كما ساهم الحدث الغزي في إحداث تحول ملموس في نظرة قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي تجاه الكيان "الإسرائيلي" الذي بات بنظر الغالبية العظمى من شعوب العالم اعتباره قوة احتلال تمارس القتل والتدمير وحرب الإبادة الجماعية بحق المدنيين الفلسطينيين في غزة والضفة المحتلة وتاليا لبنان..

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له أي ثورة ليس الهزيمة العسكرية بل فقدان بوصلتها وتحولها من مشروع تحرري إلى مشروع "سلطوي"... والثورة الفلسطينية التي انطلقت من رحم المعاناة والتضحيات الجسام، تستحق أن تُستعاد إلى أصحابها الحقيقيين، إلى الشهداء والأسرى واللاجئين، وكل المقاومين والمجاهدين الذين يواصلون حمل راية التحرير والعودة... فالثورات لا تموت عندما تُحاصر... والشعب الفلسطيني يمتلك القدرة على استعادة ثورته وإعادة توجيهها نحو أهدافها الأولى التحرير.. والعودة..

* باحث وكاتب سياسي/ فلسطين.

الثلاثاء 22 حزيران 2026

اخبار ذات صلة