وكالة القدس للأنباء - متابعة
👈يمكن القول إن انعدام التفكير الاستراتيجي وانعدام عملية اتخاذ قرارات مدروسة بشأن المسألة الإيرانية والساحة اللبنانية على حد سواء، يؤديان إلى تبنّي قرارات من دون فحص معمّق لتداعياتها. وبدلاً من درس وهم قيود القوة الإسرائيلية، تُتّخذ، المرة تلو الأُخرى، قرارات تعتمد على الحدس والارتجال والثقة المبالغ فيها بقدرة القوة العسكرية على حلّ مشاكل سياسية معقدة
هذا ما تجسّده الأزمة اللبنانية أكثر من أي شيء آخر؛ لقد كان واضحاً منذ المرحلة المبكرة أن وجهة الولايات المتحدة هي نحو إبرام اتفاق مع إيران، وأن مثل هذا الاتفاق سيشمل الساحة اللبنانية أيضاً. في مثل هذا الواقع، كان ممكناً التوقع أن تعمل إسرائيل مسبقاً على استخدام التطورات لمصلحة الجهات المعتدلة في لبنان، وعلى رأسها الحكومة اللبنانية التي تسعى للعمل على إضعاف حزب الله؛ أمّا عملياً، فجرى العكس، وبدلاً من منح الحكومة اللبنانية إنجازات تعزز مكانتها، وتسمح لها بتقديم نفسها كبديل من حزب الله، أدارت إسرائيل الأحداث بشكل عزّز الادعاء أن إيران وحزب الله فقط هما القادران على فرض وقف النار. وهكذا ساهم هذا السلوك في تعزيز مكانة إيران وحزب الله.
في السياق الإيراني أيضاً، من الصعب تجاهُل سلسلة فرضيات أساسية تبيّن أنها منقطعة عن الواقع؛ فالفرضية بشأن ضُعف الساحة الإيرانية والقدرة على تغيير النظام، عبر استخدام القوة العسكرية وجماعات من المعارضة وقوات من الأقليات، تبيّن أنها مجرد أمنية، أكثر منها تقديراً مسنوداً، وأنها تستند بقدر كبير إلى الغرور والأمل، وليس إلى دراسة جذرية.
لعل ذلك ليس مُفاجئاً؛ فاليوم، يكاد لا يوجد في إسرائيل جهة مهمتها طرح علامات استفهام أمام المستوى السياسي؛ وفي حالات عديدة، تحوّل "الكابينيت" إلى مجرد ختم؛ وهيئة الأمن القومي تجد صعوبة في تأدية واجبها؛ وجهاز الأمن يحذّر من أن يبدو كأنه يعيق المستوى السياسي؛ ووزارة الخارجية أضعف من أن تؤثر حقاً في البحث.
إن ضُعف المنظومات الاستشارية وازدياد سيطرة رئيس الحكومة نتنياهو خلقا فجوة خطِرة، ويُضاف إلى ذلك الخوف، الذي يسود مختلف المستويات، من الإعراب عن موقفٍ يتعارض مع مفاهيم القادة العسكريين، أو المستوى السياسي الرفيع؛ أمّا النتيجة، فهي منظومة يتآكل فيها النقد الداخلي وتتقلص القدرة على إجراء بحثٍ حقيقي.
وهكذا، على الرغم من أنه كان من الواضح أن حملة "زئير الأسد" بعيدة عن الأهداف التي عُرضت على الجمهور، فإنك لا تكاد تسمع أصوات نقدٍ داخل المنظومة؛ حتى عندما كان واضحاً أن الفرضيات الأساسية إشكالية، وأن جزءاً من الاستراتيجيا يقوم على أساس فهمٍ جزئي للعدو الإيراني، لم يكن هناك جهة ذات مكانة يمكنها أن توقف، أو تحذّر، أو تفرض بحثاً إستراتيجياً حقيقياً. ومن دون وجود مثل هذه الجهة، وحين يكون صاحب القرار المركزي محاطاً بأناس مَدينين له، أو مِن تعيينه، من الصعب توقُّع بحث نقدي حقيقي.
لقد تآكل الردع الإسرائيلي بقدرٍ كبير عندما نجحت إيران في النجاة من المعركة، وفي إعادة بناء مكانتها، بل نيل تسهيلات اقتصادية. وفي موازاة ذلك، تضررت شرعية إسرائيل في واشنطن، وازداد التوتر مع إدارةٍ كانت شريكاً مركزياً على طول الطريق. هذه الأضرار الاستراتيجية البعيدة المدى كان يمكن البحث فيها على الأقل قبل بدء المعركة، وبالتأكيد في أثنائها.
إن محاولة إسرائيل التشكيك في الاتفاق المتبلور والتسبب بالمواجهة الجبهوية مع البيت الأبيض عديما الجدوى الاستراتيجية. ومن الصعب ألّا يتكوّن لدى المرء انطباع، مفاده بأن الكلام يدور حول سياسة وُلدت في دائرة ضيقة جداً من أصحاب القرار من دون إجراء بحثٍ حقيقي في البدائل، وفي الأثمان التي تنطوي عليها.
في المحصلة، تحولت إسرائيل إلى دولة تُتخذ فيها أحياناً قرارات استراتيجية ثقيلة الوزن من دون تفكيرٍ عميق، ومن دون دراسةٍ كافية ونقدٍ داخلي حقيقي. من الصعب أن نشرح بشكل مختلف الفجوة الهائلة التي نشأت بين الإنجازات العملياتية المبهرة ونتائجها الاستراتيجية المخيبة للآمال. وتتطلب هذه الفجوة استخلاصاً عميقاً للدروس، وفي الأساس، إعادة بناء آليات اتخاذ القرار. وعلى الأقل من ناحية الحكومة المقبلة، يجب أن تكون هذه المهمة إحدى أكثر المهمات أهميةً.
-----------------
المصدر : يسرائيل هيوم
بقلم : داني سترينوفيتش
التاريخ : 22/6/2026
