بعد انحدار شعبيتها إلى أدنى مستوى تاريخيًا تُعزز إسرائيل جهودها لتعزيز نفوذها في الولايات المتحدة في محاولةٍ لوقف تراجع شعبيتها بين اليمين المحافظ. وكشفت صحيفة (هآرتس) العبريّة النقاب عن أنّ حكومة الاحتلال ستدفع أكثر من 40 مليون دولارٍ لحملة تأثيرٍ تستهدف الجمهور الجمهوريّ المسيحيّ، أيْ ثلاثة أضعاف الميزانيّة الأصليّة المخصصة لها.
وأوضحت الصحيفة أنّه بالإضافة إلى ذلك، وقّعت إسرائيل على اتفاقياتٍ بملايين الدولارات مع شركات محتوى وإعلام أمريكيّة لإدارة حملاتٍ مؤيدةٍ لإسرائيل تستهدف جمهورًا مسيحيًا محافظًا، ويأتي هذا في ظلّ تراجع الدعم لإسرائيل منذ حرب غزة، حتى بين الجمهور الذي يُعتبر تقليديًا متعاطفًا معها.إلى ذلك، وفي تقريرٍ استثنائيٍّ فجّرت شبكة (سي.إن.إن) الأمريكيّة مفاجأةً من العيار الثقيل، كشفت فيه تفاصيل الخطة السريّة والتحركات الانتحاريّة التي يقودها رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو لنسف مذكرة التفاهم التاريخية والاتفاق بين إدارة الرئيس الأمريكيّ دونالد ترامب وطهران.
ووفقًا للمصادر التي اعتمدت عليها الشبكة الأمريكيّة فإنّ الحديث هنا عن مجرد خلافٍ سياسيٍّ عابرٍ، بل عن معركة كسر عظمٍ حقيقيّةٍ تدور خلف الأبواب المغلقة، حيث يرى نتنياهو أنّ هذا الاتفاق يمثل تهديدًا وجوديًا ومصيدةً إستراتيجيّةً، الأمر الذي دفعه لإطلاق خطة الالتفاف الكبرى واختراق واشنطن من الداخل مستعينًا بحلفائه في الكونغرس لإحباط الصفقة وتدميرها بالكامل.
حظرٌ أمريكيٌّ وتخوّفٌ من الفضيحة الدبلوماسيّة
أولى ملامح هذه المواجهة الساخنة تجلت في قرارٍ أمريكيٍّ صادمٍ يعكس عمق أزمة الثقة بين الحليفين، فقد كشفت مصادر (سي.إن.إن) أنّ واشنطن فرضت جدارًا من السريّة ورفضت بشكلٍ قاطعٍ إطلاع إسرائيل على أدّق تفاصيل المفاوضات ومذكرة التفاهم المبرمة مع إيران. هذا المنع، أكّدت المصادر عينها، لم يكن إجراءً روتينيًا، بل جاء مدفوعًا بمخاوف حقيقيّةٍ وهواجس عميقةٍ لدى إدارة ترامب من قيام نتنياهو بتسريب بنود الاتفاق الحساسّة للإعلام بشكلٍ متعمدٍ وقبل إعلانها رسميًا، وذلك في محاولةٍ بائسةٍ ويائسةٍ لتأليب الرأي العام وتفخيخ المسار التفاوضيّ لإفشاله قبل أنْ يبدأ.
ذئاب الإعلام وصقور الكونغرس لتكبيل ترامب
وطبقًا للمصادر عينها فإنّ المخطط الإسرائيليّ لم يتوقف عند حدود الغضب الدبلوماسيّ، بل انتقل إلى مرحلة الهجوم المضاد داخل العمق الأمريكيّ عبر تحريك شبكةٍ معقدةٍ من الحلفاء والوكلاء.
ووفقاً للتحقيقات والمعلومات المسربة، بدأ نتنياهو في توجيه منصاتٍ إعلاميّةٍ يمينيّةٍ أمريكيّةٍ بارزةٍ ومقدمي (بودكاست) مؤثرين لشنّ حملةٍ شعواء تطعن في جدوى الاتفاق، بالتوازي مع تحريك أقطاب وصقور الكونغرس الموالين لتل أبيب للضغط على ترامب وتكبيل يديه خلال فترة الستين يومًا المخصصة للمفاوضات الفنيّة، وذلك عبر محاولة فرض شروطٍ تعجيزيّةٍ تتعلّق بتفكيك كامل الترسانة الصاروخيّة والنفوذ الإقليميّ لإيران، وهي شروط تدرك إسرائيل جيّدًا أنّ طهران لن تقبل بها، مما يضمن انهيار الطاولة بلمحة بصر.
لغم لبنان وسلاح الضربات الميدانية الخاطفة
وتابع التقرير أنّه بينما يتحرك نتنياهو في واشنطن سياسيًا، فإنّه يحاول تفجير الاتفاق ميدانيًا عبر التمرد العسكري المباشر، فالخطة تعتمد على استمرار توجيه ضرباتٍ عسكريّةٍ عنيفةٍ وخاطفةٍ لاختراق التهدئة في لبنان، ضاربًا بعرض الحائط البند الأساسيّ في الاتفاق الذي ينص على الإنهاء الفوريّ والكامل للعمليات العسكرية. ويسعى نتنياهو من خلال هذا التصعيد المستمر والتمسّك بالبقاء في المناطق الأمنيّة داخل جنوب لبنان إلى استدراج طهران وحلفائها نحو ردّ فعلٍ خشنٍ وواسعٍ، ممّا يضع إدارة ترامب في مأزق ويجبرها على إلغاء التفاهمات والعودة إلى مربع المواجهة العسكريّة الشاملة.
معركة اللحظات الأخيرة والرهان على الانهيار الحتميّ
في نهاية المطاف، أبلغ نتنياهو الرئيس الأمريكيّ صراحةً وبشكلٍ متحدٍ أنّ إسرائيل لن تعتبر نفسها ملزمةً بهذا الاتفاق بأيّ حالٍ من الأحوال. وتراهن الرؤية الإسرائيليّة المسربة على التدخل الحثيث لصياغة شروط الاتفاق النهائي بما يضمن نسفه، انطلاقًا من قناعة نتنياهو العميقة بأنّ إيران لن تقبل أبدًا بفرض قيودٍ حقيقيّةٍ على برنامجها النوويّ، لتتحول فترة الستين يومًا المقبلة إلى ساحة حربٍ سياسيّةٍ وإعلاميّةٍ طاحنةٍ تسعى فيها تل أبيب وأعضاء الكونغرس إلى إثبات كذب النوايا الإيرانيّة، وإبقاء المنطقة بأكملها معلقةً فوق فوهة بركانٍ قد ينفجر في كلّ لحظةٍ.
مارك لفين ينقلب على ترامب
وفي هذه العُجالة، انتقد مارك ليفين، المُعلِّق المحافظ وأحد الشخصيات المقربة من التيار اليمينيّ في الولايات المتحدة، مذكرة التفاهم المبرمة بين إيران والولايات المتحدة. وقال إنّه يختلف شخصيًا مع هذا الاتفاق، معربًا عن اعتقاده بأنّ طهران لن تلتزم بأيٍّ من تعهداتها الواردة فيه. كما أبدى ليفين شكوكه بشأن تنفيذ طهران لبنود مذكرة التفاهم، معتبرًا أنّ سجلها السابق لا يدعو إلى الثقة في التزامها بالاتفاقات المبرمة.
البروفيسور روبرت بيب: إيران أظهرت قدرةً كبيرةً على الصمود
من ناحيته رأى البروفيسور روبرت بيب أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، أن الولايات المتحدة وإسرائيل غالبًا ما تبالغان في تقدير قدرة الضربات الجويّة على إخضاع إيران أوْ تغيير سلوكها السياسيّ، وأكّد أنّ القصف وحده لا يحقق أهدافًا إستراتيجيّةً بعيدة المدى، وحذّر مرارًا مما يسميه “فخ التصعيد”، أيْ أنّ الحرب على إيران قد تتوسع تدريجيًا وتصبح أكثر كلفةً وصعوبةً بدل أنْ تحقق نصرًا سريعًا، كما أوضح أنّ إيران أظهرت قدرةً كبيرةً على الصمود، وأنّ موقعها الجغرافيّ وقدراتها العسكريّة غير التقليدية يمنحانها نفوذًا إقليميًا يصعب القضاء عليه بالقوة العسكرية وحدها، ويُشكِّك في قدرة الحرب على منع إيران نهائيًا من امتلاك المعرفة أو القدرات النووية، محذرًا من أنّ العمل العسكريّ قد يؤدي أحيانًا إلى نتائج عكسيّةٍ.