يوسف أبو سامر موسى*
على امتداد العقود التي تلت تفكك الاتحاد السوفياتي، انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بقيادة النظام الدولي وكرّست نفسها القوة العظمى الوحيدة القادرة على فرض إرادتها السياسية والعسكرية والاقتصادية على العالم. ولم تكتفِ واشنطن بإدارة التوازنات الدولية بل تصرفت في كثير من الأحيان باعتبارها الحاكم والآمر الناهي متجاوزةً المؤسسات والقوانين الدولية التي تدّعي الدفاع عنها، ومستخدمةً العقوبات والحصار والتدخلات العسكرية أدواتٍ لإخضاع الدول التي ترفض الانصياع لمشروعها السياسي.
وخلال تلك المرحلة تحولت الولايات المتحدة إلى ما يشبه شرطي العالم، فشنت حروبا وأسقطت أنظمة، وفرضت العقوبات الاقتصادية والحصار على شعوب بأكملها تحت ذرائع متعددة، فيما كان هدفها الحقيقي حماية مصالحها الاستراتيجية وضمان استمرار هيمنتها العالمية...
غير أن الانحياز الأمريكي المطلق للكيان الصهيوني في جريمة الابادة التي شُنت على قطاع غزة، شكّل نقطة تحول خطيرة في صورة الولايات المتحدة، ومكانتها الدولية. إذ أن واشنطن لم تكتفِ بالدعم السياسي والعسكري لإسرائيل، بل تحولت إلى شريك مباشر وفاعل، في تغطية الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني وخاصة خلال حرب الإبادة التي تعرض لها قطاع غزة. كما استخدمت نفوذها لحماية "إسرائيل" في المحافل الدولية، ورفضت ملاحقة المسؤولين "الإسرائيليين" أمام العدالة الدولية، بل وذهبت إلى حد ممارسة الضغوط وفرض العقوبات على بعض الجهات القضائية الدولية التي أصرت على مساءلة قادة الاحتلال.
وفي الوقت الذي وفرت فيه الولايات المتحدة مظلة حماية كاملة للترسانة النووية "الإسرائيلية" خارج أي رقابة دولية حقيقية، مارست سياسة مزدوجة المعايير تجاه دول أخرى، ففرضت العقوبات وخاضت الحروب وهددت الأنظمة بذريعة برامج نووية وصفتها بالخطر رغم أن بعضها كان يخضع لرقابة دولية، أو يعلن سلمية أهدافه.
وخلال السنوات الأخيرة بدا أن واشنطن اندفعت أكثر نحو المواجهة خدمةً للمشروع "الإسرائيلي" ومحاصرة القضية الفلسطينية والضغط لانهاء شاهد اساسي على حق العودة "الاونروا" وواضعةً امامها هدف إضعاف إيران، أو إسقاط نظامها في صدارة أولوياتها الإقليمية.. إلا أن النتائج جاءت معاكسة لتوقعات التحالف الصهيو اميركي. فالمقاومة في فلسطين ولبنان صمدت وقاتلت لسنوات وما زالت، وأظهرت إيران قدرة كبيرة على الصمود والمواجهة، ونجحت في الحفاظ على تماسك مؤسساتها والتفاف شعبها حول الدولة في مواجهة الضغوط الخارجية.
وبالتوازي مع ذلك برز محور المقاومة كلاعب إقليمي مؤثر يمتلك القدرة على فرض معادلات جديدة، فيما قدمت الصين وروسيا دعماً سياسياً واستراتيجياً أسهم في الحد من قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها كما كان يحدث في العقود السابقة.
إن المشهد الراهن يكشف عن مؤشرات متزايدة على تآكل الهيبة الأمريكية وتراجع قوة الردع التي لطالما استندت إليها واشنطن.. فالعجز عن تشكيل تحالفات دولية واسعة في بعض ساحات الصراع، وازدياد عدد الدول الرافضة للامتثال للإملاءات الأمريكية يعكسان تحولات عميقة في بنية النظام الدولي الذي لم يعد أحادي القطبية كما كان في تسعينيات القرن الماضي.
كما أن ما يُنظر إليه من قبل كثيرين على أنه تراجع نسبي في قدرة الولايات المتحدة على تحقيق الأهداف التي رفعتها في عدد من المواجهات الإقليمية يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل النفوذ الأمريكي وحول ما إذا كانت واشنطن قد دخلت بالفعل مرحلة الانحدار الاستراتيجي التي عرفتها إمبراطوريات كبرى عبر التاريخ.
إن العالم اليوم يقف أمام مرحلة انتقالية قد تكون من أهم مراحل التحول في النظام الدولي منذ نهاية الحرب الباردة، مرحلة تتراجع فيها قدرة القوة الواحدة على التحكم بمصير الشعوب والدول مقابل صعود قوى إقليمية ودولية جديدة تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى العالمية.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل ما نشهده اليوم هو مجرد تراجع مؤقت للنفوذ الأمريكي أم أنه بداية أفول نجم الإمبراطورية التي حكمت العالم لعقود بقوة المال والسلاح؟ السنوات القادمة وحدها كفيلة بالإجابة..
لكن المؤكد أن النظام الدولي الذي عرفه العالم خلال العقود الثلاثة الماضية لم يعد كما كان وأن موازين القوى تشهد تغيرات متسارعة قد ترسم ملامح عصر جديد مختلف تماماً عما سبقه.
وفي النهاية نستخلص انه إذا ما تم التوصل إلى اتفاق نهائي خلال الأيام والأسابيع المقبلة فإن ذلك سيُقرأ سياسياً باعتباره محطة مفصلية في مسار الصراع بين واشنطن وطهران، فبعد سنوات من التهديدات والعقوبات وسياسة "الضغوط القصوى" وبعد رفع سقف المطالب الأمريكية إلى مستويات بدت وكأنها شروط استسلام كاملة تجد الولايات المتحدة نفسها أمام واقع مختلف تماماً عما سعت إليه.
فالأهداف التي رُفعت تحت عناوين تغيير السلوك الإيراني أو تقييد قدراته الاستراتيجية أو فرض وقائع جديدة على برنامجه النووي تبدو بعيدة عن التحقق فيما تمكنت طهران وفق الرؤية التي يتبناها أنصارها من الحفاظ على ثوابتها الأساسية وانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية مهمة وإذا شمل الاتفاق رفعاً للعقوبات والحصار الاقتصادي وإقراراً بحق إيران في مواصلة برنامجها النووي ضمن الصيغة التي يتم التوافق عليها مع استبعاد ملف الصواريخ الباليستية من دائرة التنازلات الجوهرية فإن ذلك سيُنظر إليه باعتباره تراجعاً أمريكياً كبيراً أمام دولة كانت واشنطن وكيان العدو تعهدتا مراراً بإخضاعها او شطبها عن الخريطة واعادتها للعصور الحجرية.
ومن هذا المنطلق يرى كثيرون أن أي اتفاق من هذا النوع لن يُسجل كانتصار دبلوماسي أمريكي بقدر ما سيُسجل كدليل إضافي على حدود القوة الأمريكية عندما تصطدم بإرادة دولة قادرة على الصمود والمواجهة الطويلة.
* باحث وكاتب سياسي/فلسطين
الثلاثاء 16حزيران 2026
