قائمة الموقع

انتخابات المجلس الوطني وتعميق المأزق الفلسطيني

2026-06-11T20:36:00+03:00
سيف الدين موعد*

بعد مرسوم رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس الداعي إلى إجراء انتخابات المجلس الوطني الفلسطيني في الأول من تشرين الثاني 2026، جاءت المصادقة على النظام الانتخابي للمجلس، لتعيد سؤال منظمة التحرير وأطرها التنظيمية إلى الواجهة في لحظة فلسطينية شديدة التعقيد والخطورة.

فعلى الرغم من أن الدعوة إلى انتخاب المجلس الوطني تبدو، في ظاهرها، خطوة نحو تجديد شرعية مجلس لا يكاد الشعب الفلسطيني يعرف أسماء أعضائه، فإن سياق الدعوة وصيغة النظام المطروحة يثيران سؤالاً عميقاً حول ما إذا كانت هذه الخطوة مدخلاً جدياً للإصلاح، أم أنها محاولة لإعادة إنتاج البنية القائمة نفسها، وربما تهيئتها للعب دور جديد في ترتيبات ما يسمى باليوم التالي في غزة.

لا شك أن الفلسطينيين يحتاجون، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة إحياء مؤسساتهم التمثيلية وبنائها بما يليق بتحديات المرحلة، ويحتاجون أيضاً إلى إخراج منظمة التحرير من الجمود الذي أصابها بعد أوسلو، وإلى انتخاب مجلس وطني يعبر عن الشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة. غير أن الأزمة التي يواجهها الفلسطينيون أعمق من أن تُختزل في إجراء انتخابي أو صناديق اقتراع مصممة من فوق.

فالشعب الفلسطيني يعيش حالة غضب تاريخي بعد الإبادة في غزة، والوضع الذي وصل إليه الحال في الضفة والقدس، وبسبب حالة التشرذم والانقسام التي تمسك بخناق المشهد السياسي الفلسطيني. وهناك جيل جديد في الداخل والخارج استعاد حضوره السياسي، ولم يعد يقبل بسهولة بشرعية قديمة أو لغة مؤسساتية منفصلة عن الدم والخراب وابتلاع الأرض ومصادرة الحقوق. وهذه الطاقات لا يمكن استيعابها أو تحويلها إلى قوة وطنية منظمة من دون مراجعة وطنية كبرى تسبق أي ادعاء جديد بتمثيل الشعب الفلسطيني أو التحدث باسمه.

لذا فالسؤال يدور حول أي مشروع وطني سيحمله هذا المجلس؟ ومن يملك حق المشاركة فيه؟ وهل يسمح للمجلس بفتح باب المراجعة الشاملة، أم أن المجلس المنشود يطلب من الفلسطينيين أن يدخلوا إليه بعد قبولهم بسقف سياسي ثبت فشله على مدار عقود؟

الصيغة المطروحة في النظام تكرس الانقسام وتعمّقه، إذ تشترط على القوائم المرشحة الالتزام ببرنامج منظمة التحرير السياسي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، مع أن المجلس الوطني، من حيث وظيفته الأصلية، هو المؤسسة التي يفترض أن تناقش البرنامج وتراجعه وتعيد بناءه. فكيف يصبح الالتزام بالبرنامج شرطاً للدخول إلى مجلس يُفترض أنه يملك حق صياغة هذا البرنامج ومراجعته؟ هذا يعني أن القوى التي ترى أن اتفاقية أوسلو انتهت، أو أن الشرعية الدولية لم تمنع الإبادة، أو أن وظيفة المنظمة يجب أن تعود إلى مشروع التحرر بدلاً من إدارة سلطة محدودة، ستُدفع إلى واحد من خيارين: إما القبول بسقف لا يعبر عن خياراتها، وإما البقاء خارج المنظمة.

وهذا الموقف يتصل مباشرة بحركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي"، إذ كيف يمكن لأي عقل سياسي جدي أن يتحدث عن شرعية منظمة التحرير بينما يستبعد من إطارها أكبر قوتين خارجها، أو يطلب منهما الدخول وفق شروط صاغتها القيادة التي تختلفان معها حول جوهر البرنامج السياسي. والمسألة لا تقف عند حدود إدماج "حماس" و"الجهاد الإسلامي" وحدهما، فالمجلس الوطني لا يجوز أن يقتصر على الحصص الفصائلية. هناك أجيال فلسطينية واسعة، في غزة والضفة والقدس والداخل والخارج، نشأت خارج البنى التنظيمية التقليدية، ودفعت كلفة الصراع، وانخرطت في الدفاع عن فلسطين في الجامعات والنقابات والجاليات والإعلام والعمل الحقوقي والشعبي. فإذا أعيد تشكيل المجلس بمنطق الفصائل وحدها، حتى مع إدخال قوى جديدة، فسنكون أمام ترميم جزئي لبنية التمثيل، لا تعبّر عن الشعب الفلسطيني بكل أطيافه.

فالانقسام الفلسطيني اليوم لم يعد محصوراً في ثنائية "فتح" و"حماس"، ولا في الخلاف بين سلطة وغزة، هناك انقسام أعمق من ذلك بكثير. انقسام حول طبيعة المشروع الفلسطيني نفسه. هل هو مشروع دولة مؤجلة تحت الاحتلال، أم قضية تحرر وطني من استعمار استيطاني. وهناك انقسام بين من يريد إعادة تأهيل السلطة، ومن يرى أن الأولوية في إعادة بناء المنظمة وفصلها بشكل كلي عن السلطة، وهناك انقسام بين من ينظر إلى المقاومة كعبء ينبغي التخلص منه أو ضبطه، ومن يراها شرطاً لازماً لا تقوم القضية من دونه. وهناك جيل فلسطيني واسع من خارج الفصائل لديه لغته وتجربته الوطنية التي تختلف عن تجربة الفصائل ومقارباتها. وبالتالي فمن دون اعتراف المجلس الوطني بهذه التناقضات والاختلافات أو القفز عنها، سيعيد إنتاج الانقسام القديم ويؤسس لانقسامات أشد تعقيداً في المستقبل.

الأخطر أن الدعوة إلى انتخابات المجلس بهذه الطريقة تكرّس ابتلاع السلطة للمنظمة ولا تقدّم أي حلول لمعالجة هذا الخلل البنيوي. فمنظمة التحرير وُجدت كإطار تمثيلي للشعب الفلسطيني كله، سابق على السلطة، ويفترض أنه أوسع منها ومهيمن عليها. لكن واقع الحال أن السلطة تحولت خلال العقود الماضية إلى مركز القرار الفلسطيني، حيث صارت المنظمة، بمالها وقرارها ومؤسساتها، أقرب إلى جهاز ملحق بالسلطة وحساباتها، وصارت السلطة تتحكم بما يفترض أنه مرجعية الشعب الفلسطيني كله.

والدعوة الحالية للانتخابات لا تفك هذا الاشتباك، لأن الجهة التي تدعو وتنظم وتحدد السقف هي نفسها البنية القيادية التي تدير السلطة والمنظمة. ومن دون فصل واضح بينهما، فإن النتيجة المتوقعة لن تكون أكثر من عملية تجديد لشرعية السلطة عبر المنظمة.

كما أن انتخابات حركة "فتح" الأخيرة تضيف طبقة أخرى إلى المشكلة. فما جرى خلالها، وما رافقها من حديث عن طعون وخلافات واستبعاد واصطفافات، لا يمكن عزله عن الدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني. "فتح" هي العمود التاريخي للمنظمة، والحركة التي تملك الوزن الأكبر في مؤسساتها، وأيضاً المكون الأساسي الذي تقوم عليه السلطة. فإذا كانت الحركة نفسها لم تقدّم نموذجاً مقنعاً للمراجعة الداخلية الشفافة، وإذا كان تجديدها الداخلي بدا لكثيرين أقرب إلى إعادة ترتيب مراكز النفوذ، فكيف يمكن أن تطمئن القوى الأخرى إلى أن انتخابات المجلس الوطني لن تتحول إلى تكرار للمنطق نفسه؟

ولا يمكن فصل هذه الدعوة أيضاً عن سؤال غزة. فهناك محاولات واضحة لإعادة ترتيب القطاع بعد الإبادة ضمن صيغ أمنية وإدارية وإنسانية قد تمنح الفلسطينيين إدارة محدودة وتنتزع منهم القرار السياسي وتعزلهم عن الجماعة الوطنية الأوسع. وفي مثل هذا السياق، يصبح الخوف مشروعاً من أن يتحول المجلس الوطني المُعاد تشكيله وفق شروط البنية القديمة إلى غطاء فلسطيني لترتيبات مفروضة على غزة، بدل أن يكون مرجعية وطنية قادرة على حماية القطاع من الوصاية، وربط الإغاثة والإعمار والإدارة بمشروع وطني جامع لا بمتطلبات أمنية وسياسية خارجية.

وتزداد هذه الإشكالية وضوحاً عند سؤال القدس، لأن أي انتخابات فلسطينية لا تختبر قدرتها على تثبيت حضور القدس وأهلها تبقى ناقصة من حيث المعنى والشرعية. فقد سبق أن عُطّلت انتخابات السلطة بسبب القدس، وتم التذرع وقتها بالاحتلال وقدرته على المنع وتعطيل المسار الانتخابي كله. فإذا كان النظام الجديد لا يضع تصوراً واضحاً لمشاركة المقدسيين، ولا يجيب عن كيفية مواجهة التعطيل الإسرائيلي، فإن المجلس الوطني سيولد وهو يحمل ثغرة سياسية لا يمكن تجاوزها، لأن القدس معيار لقدرة المنظمة على تحدي الاحتلال أو التكيف مع الحدود التي يفرضها.

أما الخارج، فهو الجرح الذي تكشف فيه صيغة النظام حدود ادعائها التمثيلي. فلا معنى لمنظمة تحرير لا يكون الخارج في قلبها، خصوصاً كتلة اللاجئين الفلسطينيين، لأن الشعب الفلسطيني لا يمكن حصره بالضفة وغزة فقط، فجزء كبير من الشعب الفلسطيني يعيش خارج فلسطين بفعل النكبة واللجوء والمنفى، ولا يمكن لمؤسسة وطنية أن تدّعي تمثيله من دون آليات جدية لإشراكه. ومع ذلك، تبدو صيغة الخارج في النظام أقرب إلى نافذة مفتوحة لعودة التعيين والتوافقات والحصص المحددة سلفاً.

ولا يكتمل نقد خريطة التمثيل من دون الوقوف عند موقع فلسطينيي الداخل المحتل عام 1948، إذ يفتح النظام ثغرة أخرى. فالنص يعرّف الفلسطيني تعريفاً واسعاً يستند إلى فلسطين في حدودها الانتدابية، بما يسمح نظرياً بإدراجهم داخل الجماعة الوطنية، لكنه لا يترجم هذا الاعتراف إلى آلية تمثيل ولا إلى تصور سياسي لموقعهم داخل المجلس الوطني. إغفال هذه الكتلة، أو تركها معلقة، يعمق الخلل في فكرة المجلس الوطني كإطار جامع للشعب الفلسطيني كله، لأن أي إعادة بناء جدية للمنظمة لا يمكن أن تختزل الشعب في ثنائية الداخل المحتل عام 1967 والخارج فقط، بينما تترك إحدى أكثر الجماعات الفلسطينية حساسية، بحكم موقعها داخل بنية دولة الاحتلال نفسها، بلا معالجة سياسية وتمثيلية صريحة.

والمشكلة ليست في الآلية الانتخابية وحدها، وإنما في حرق المراحل الضرورية التي تجعل الانتخابات ذات معنى. كان يفترض البدء بإطلاق مسار وطني تحضيري وانتقالي واضح ومحدد الزمن مع القوى والفئات الفلسطينية المختلفة. وربما كانت الدعوة إلى عقد إطار الأمناء العامين للفصائل خطوة أقرب وأكثر منطقية من الدعوة إلى انتخابات المجلس الوطني في هذه المرحلة. اللقاء ليس بديلاً دائماً عن المجلس الوطني، لكنه في هذه اللحظة التي يواجه فيها الواقع الفلسطيني تحديات مزلزلة، يمكن أن يشكل خطوة ملحة وضرورية، لأنه يجمع القوى الفعلية قبل صياغة النظام أو الدعوة إلى الانتخابات، ويفتح النقاش حول البرنامج السياسي، ويضع سؤال الوحدة والمقاومة والسلطة واللاجئين وفلسطينيي الداخل المحتل عام 1948 وأوسلو على الطاولة، ساعتها يمكن الانتقال إلى لجنة تحضيرية مستقلة للمجلس الوطني تمثل أطياف الشعب الفلسطيني كافة وفئاته السياسية والاجتماعية والشبابية في مختلف أماكن وجوده، ثم الذهاب إلى انتخابات مباشرة حيث أمكن، وإلى صيغ تمثيلية انتقالية معلنة ومحددة المعايير حيث يتعذر الاقتراع.

أما السير بهذه الصيغة فيعني أننا نتجه - فيما لو جرت الانتخابات - إلى مجلس وطني قد يكون جديداً في شكله، لكنه قديم في بنيته ومنطقه ومخرجاته؛ مجلس يمنح الوضع القائم غطاءً، من دون أن يفتح شراكة وطنية حقيقية أو مراجعة سياسية جدية، وقد يتحول إلى مرجعية شكلية لتوقيع أو تمرير ترتيبات لا يملك الشعب الفلسطيني نفسه فرصة صياغتها أو مراجعتها.

اللحظة الفلسطينية حرجة ومصيرية، وتحتاج إلى مراجعة وطنية شجاعة تعترف بأن الطريق القديم وصل إلى نهايته، وأن المنظمة لا يمكن إنقاذها بطقوس انتخابية، بل بإعادتها إلى الشعب كله، وإلى وظيفة التحرر، وذلك لا يتحقق من دون إشراك الشعب الفلسطيني في صنع القرار بدل اختزاله في سلطة نشأت تحت سقف اتفاق انتهى سياسياً وأخلاقياً وتاريخياً.

* كاتب وباحث فلسطيني

اخبار ذات صلة