وكالة القدس للأنباء - متابعة
لم تُمهل صواريخ جيش الاحتلال، العريس مهند عثمان، بضعة أيام لإتمام مراسم زفافه؛ إذ قصفت طائرات الاحتلال المسيّرة خيمته التي كان قد أقامها على سطح منزل في مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة. على أن هذه الجريمة ليست سوى حلقة واحدة من سلسلة التصعيد الإسرائيلي الذي كسر كلّ الخطوط الحمر.
وكانت الطائرات الحربية قد أغارت، أول من أمس، على مخيم للنازحين قرب موقع الجوازات في حيّ الرمال وسط مدينة غزة، متسبّبةً باستشهاد 8 أشخاص وجرح نحو 20 آخرين. وتَكرّر المشهد ذاته في منطقة مفترق النص في مواصي مدينة خانيونس، حيث أغارت الطائرات الحربية بعدد من الصواريخ على نقطة تابعة للشرطة الفلسطينية، ما أدى إلى استشهاد 5 فلسطينيين. وسبق ذلك بساعات قصف مركبة مدنية في حيّ النصر في مدينة غزة، الأمر الذي تسبّب باستشهاد 5 مواطنين بينهم طفلة وسيّدة من المارة.
هكذا، صار القصف الذي يحصد ما معدّله 10 شهداء يومياً، جزءاً من يوميات الغزيين؛ ووفقاً لمصادر طبية، فقد قضى نحو 40 شهيداً منذ مطلع حزيران الجاري. وتتزامن تلك المجازر مع حراك سياسي تشهده القاهرة، التي وصلتها وفود الفصائل الفلسطينية، وعقدت فيها اجتماعات مكثّفة مع جهاز المخابرات المصرية.
ووفقاً لمصادر فصائلية تحدّثت إليها «الأخبار»، فقد قدّم المصريون مقترحاً جديداً يتضمّن آلية تدريجية لحصر السلاح ودمج الأجنحة المسلّحة ضمن ترتيبات أمنية وسياسية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع.
وينصّ المقترح الجديد على تنفيذ عملية حصر السلاح على مراحل، ووفق جدول زمني متّفَق عليه، بالتعاون مع لجنة فلسطينية وطنية و«قوة استقرار دولية» ولجنة متخصّصة بالتحقّق من التنفيذ، على أن تتمّ العملية بقيادة فلسطينية وبمشاركة مختلف التنظيمات المسلّحة.
وطبقاً للمصادر ذاتها، فإن المقترح يربط الشروع في هذه الترتيبات بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، وبدء عمل اللجنة الإدارية الفلسطينية، وانتشار «قوة الاستقرار الدولية»، إلى جانب الانسحاب الإسرائيلي التدريجي من غزة.
ورداً على سؤال عن الموقف الإسرائيلي من المقترح الجديد، أشارت المصادر إلى أن «إسرائيل تتبنّى موقفاً غامضاً وتركّز على هدف نزع السلاح من دون أيّ شيء آخر، غير أن ما يشير إلى وجود أرضية مقبولة للمقترحات الجديدة، هو عقد اجتماع في مقرّ المخابرات المصرية حضرته حركة حماس، وشارك فيه رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، ورئيس جهاز الاستخبارات التركي، إبراهيم قالن، ورئيس المخابرات المصرية، الوزير حسن رشاد، وتَحدّد الهدف الرئيس منه بوضع الصيغة النهائية الخاصة بملفّ السلاح وآليات التعامل معه، وذلك ضمن الترتيبات المقترحة المرتبطة باتفاق وقف إطلاق النار".
في هذا الوقت، عاد نجم الوافد الجديد - القديم إلى المشهد السياسي، وهو «التيار الإصلاحي» بقيادة القيادي السابق في حركة «فتح»، محمد دحلان، المدعوم إماراتياً. إذ حضر وفد من التيار، لأوّل مرّة، مع وفود «حماس» و«الجهاد الإسلامي» و«الجبهة الشعبية» و«الجبهة الديمقراطية» و«المبادرة الوطنية» و«لجان المقاومة الشعبية».
وتَرافق هذا الحضور مع موجة كبيرة من التسريبات رفعت السقف بشأن وجود مخطّط لتنصيب دحلان رئيساً للجنة الإدارية في غزة، وهو ما نفته مصادر مقرّبة من الرجل الذي لم يعلّق بعد على ما قيل. غير أن تصدّر القيادي سمير المشهراوي المشهد الإعلامي أكد أن ثمّة مساعي إقليمية جادة لإقحام دحلان في المشهد.
وأظهر المشهراوي في تصريحاته بعداً وحدوياً، واستخدم مصطلحات وطنية تحظى بقبول واحترام لدى «حماس»؛ إذ أكد رفض «التيار الإصلاحي» تسليم سلاح المقاومة لإسرائيل، مشدّداً على ضرورة البحث عن مقاربة وطنية تفضي إلى حصر السلاح على نحو لا يجعل منه ذريعة تسمح لإسرائيل بمواصلة مخطّطاتها في استدامة الإبادة والعدوان. ولفت إلى أن معالجة هذا الملف مرتبطة أساساً بدخول اللجنة الإدارية والإيفاء باشتراطات المرحلة الأولى من اتفاق شرم الشيخ، والقضاء على ظاهرة «مجموعات الجواسيس» الموالية لإسرائيل.
ومع أن أحداً لا يستطيع التكهّن بمخرجات مفاوضات القاهرة، خصوصاً أنها مرتبطة أولاً وأخيراً بالموقف الإسرائيلي الذي لا يبدو معنيّاً أصلاً بالمحافظة على اتفاق شرم الشيخ، فإن الرابح الأكبر من جولة الحوارات الفصائلية في القاهرة، وما رافقها من عناوين عريضة وآمال كبيرة معلّقة عليها، قد يكون دحلان. إذ استطاع أن يقدّم نفسه بوصفه فاعلاً مؤثراً وشريكاً في النقاش الدائر، سواء على صعيد الفصائل الفلسطينية، أو مع الوسطاء، أو في ما يتعلّق بمستقبل غزة. وحظي دحلان، الذي ظلّ خياراً ثانوياً طوال سنوات ما قبل الإبادة، بزخم امتدّ من مواقع التواصل الاجتماعي إلى الشارع الغزي المنهك، الذي شهد تحوّلات ملحوظة في توجّهات شريحة من المواطنين تجاه فكرة تولّي الرجل مسؤوليات في القطاع، وذلك نتيجة لحال انسداد الأفقَين المعيشي والسياسي.
(المصدر: الأخبار – غزة)
