تحت عنوان “اتفاق مضلِّل بين إسرائيل ولبنان”، قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إن وقف إطلاق النار في لبنان ما يزال هدفا بعيد المنال. فمع تصاعد القتال بين الطرفين المتحاربين، وتقدم القوات البرية الإسرائيلية في جنوب “بلد الأرز”، تأكد فشل الهدنة التي أُعلنت في 17 نيسان/أبريل. وقد أنهت الوفود الإسرائيلية واللبنانية جولة جديدة من المحادثات المباشرة في واشنطن يومي الثلاثاء والأربعاء، من دون تحقيق تقدم ملموس حتى الآن. ومن المقرر عقد جولات جديدة من النقاشات السياسية والأمنية خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 حزيران/يونيو الجاري.
في البيان المشترك الصادر عن الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان، تم ربط وقف الأعمال العدائية بـ“الوقف الكامل لنيران حزب الله وانسحاب جميع عناصره من المنطقة الواقعة جنوب نهر الليطاني”. ولم يتضمن النص أي إشارة إلى مطالبة إسرائيل بوقف قصفها وعملياتها البرية خارج المنطقة العازلة التي تحتلها بعمق يتراوح بين 5 و10 كيلومترات.
ومع ذلك، ينص الاتفاق على انسحاب تدريجي للجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، مقابل إنشاء “مناطق تجريبية” تتولى القوات المسلحة اللبنانية السيطرة الحصرية عليها، مع استبعاد حزب الله منها. كما تعهدت الولايات المتحدة بتعزيز قدرات الجيش اللبناني لمساعدته في هذه المهمة.
غير أن الاتفاق، تشير “لوموند”، لا يعالج بالنسبة لإسرائيل مسألة الطائرات المسيّرة التي يستخدمها حزب الله. ففي الأسابيع الأخيرة، تكبد الجيش الإسرائيلي خسائر غير معتادة (14 قتيلاً( منذ “وقف إطلاق النار”، بسبب عجزه عن التصدي لهذه الطائرات، رغم إنشاء “منطقة أمنية” داخل الأراضي اللبنانية كان يُفترض أن تحد من قدرات حزب الله.
تسعى إسرائيل إلى الحفاظ على أكبر قدر ممكن من حرية العمل العسكري في جنوب لبنان. وأكد البيان المشترك أن أمن إسرائيل وسلامة أراضيها لن يتحققا إلا بنزع سلاح حزب الله وتفكيك بنيته التحتية في لبنان.
من جهته، حذّر السفير الإسرائيلي لدى واشنطن من أن حزب الله لن يتمتع بأي حصانة، بينما شدد رئيس أركان الجيش الإسرائيلي على أن العمليات العسكرية مستمرة بهدف القضاء على التهديدات، بما في ذلك تدمير القرى والبنى التحتية المرتبطة بالحزب. وقد أسفرت الضربات الإسرائيلية منذ 2 مارس عن مقتل 3516 شخصا ونزوح أكثر من مليون، وفق السلطات اللبنانية.
في المقابل، فرض الرئيس دونالد ترامب قيودا على إسرائيل، خصوصا بشأن استهداف بيروت. وكشفت تقارير أنه وجّه انتقادات حادة لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مطالبًا بإلغاء خطط قصف العاصمة اللبنانية، حفاظًا على مسار المفاوضات الجارية مع إيران.
وقد اقترح ترامب اتفاقا أوليا يقضي بامتناع إسرائيل عن قصف ضواحي بيروت مقابل توقف حزب الله عن مهاجمة إسرائيل، على أن يتم لاحقًا توسيع وقف إطلاق النار ليشمل كامل الأراضي اللبنانية. إلا أن حزب الله رفض هذا الطرح، مؤكدًا أنه لن يقبل بأي اتفاق جزئي، ومشترطًا انسحابًا إسرائيليًا كاملًا من لبنان.
ميدانيًا، يواصل حزب الله هجماته على شمال إسرائيل ردًا على القصف، مستفيدا من بعض النجاحات التكتيكية التي تعزز موقفه وترسخ شرعيته لدى قاعدته الشعبية، رغم الخسائر الكبيرة التي لحقت بالمناطق الشيعية. ويرفض الحزب، بدعم من إيران، فصل الملف اللبناني عن المفاوضات الجارية بين طهران وواشنطن، مؤكدًا أن مصير الصراع في لبنان مرتبط بما يجري في إيران.
في المقابل، تتابع إسرائيل هذه المفاوضات بحذر، خشية التوصل إلى اتفاق لا يأخذ في الاعتبار برنامج إيران النووي والصاروخي ودعمها لحلفائها في المنطقة.
أخيرا، تتابع “لوموند”، أثار وصف حزب الله بأنه “عدو للبنان” في البيان المشترك جدلًا واسعًا داخل الأوساط القريبة منه، التي اتهمت الحكومة اللبنانية بالخضوع للضغوط الإسرائيلية والأمريكية، محذرة من أي محاولة لحل الحزب أو نزع سلاحه.
أما ترامب، فقد بدا مستعدا لتقبل وقف إطلاق نار جزئي، قائلاً إن مفهوم الهدنة في هذه المنطقة قد يعني فقط “إطلاق نار أقل حدة”.