يتعرض رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، لضغوط متزايدة لتغيير موقف حكومته تجاه دولة الاحتلال "الإسرائيلي"، مع تصاعد مطالب نواب من مختلف الأحزاب بفرض حظر كامل على استيراد البضائع القادمة من المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية.
وقالت مصادر مطلعة لموقع "ميدل إيست آي" البريطاني، إن "حدوث تحول كبير في السياسة البريطانية بات وارداً خلال الفترة المقبلة، في ظل تحركات داخل حزب العمال الحاكم وخارجه لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة".
وبحسب أشخاص مقربين من الحكومة، أبلغ وزير شؤون الشرق الأوسط هاميش فالكونر نواباً من حزب العمال في وقت سابق أن حظر سلع المستوطنات يعد خطوة مرغوبة، لكن القرار النهائي لا يزال بيد داونينغ ستريت.
وكان حزب العمال، عندما كان في صفوف المعارضة، قد دعا إلى حظر استيراد بضائع المستوطنات، إذ قالت وزيرة الخارجية في حكومة الظل آنذاك ليزا ناندي عام 2020 إن هذه الخطوة تتطلب "شجاعة لم يكن الوزراء مستعدين لإظهارها".
لكن الحزب لم يعتمد هذا التوجه بعد وصوله إلى الحكومة، بعدما كان موقفه السابق يرفض فرض عقوبات أو مقاطعة ضد دولة الاحتلال، قبل أن يشهد هذا الموقف تغيراً واضحاً خلال الفترة الأخيرة.
تغير أوسع في المزاج الأوروبي
قالت مصادر إن الوزراء يدركون أن فرض حظر على سلع المستوطنات سيكون متوافقاً مع الموقف البريطاني الرسمي تجاه الأراضي المحتلة.
ويأتي ذلك وسط تغير أوسع في المزاج الأوروبي، حيث قدمت فرنسا والسويد اقتراحاً يدعو الاتحاد الأوروبي إلى فرض ضوابط صارمة على واردات المستوطنات، فيما حظرت هولندا التجارة بالبضائع القادمة من الأراضي المحتلة.
ودفعت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران حكومة ستارمر إلى الابتعاد بشكل أكبر عن مراعاة مواقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن السياسات البريطانية.
وحصلت النائبة العمالية وعضو لجنة الشؤون الخارجية البرلمانية عبتسام محمد على موافقة لعقد نقاش داخل البرلمان حول حظر سلع المستوطنات، في خطوة يتوقع أن تزيد الضغط على الحكومة.
وقالت محمد إن عامين مرا منذ رأي محكمة العدل الدولية الذي أكد أنه لا ينبغي لأي دولة تقديم المساعدة أو الدعم للاحتلال غير القانوني لفلسطين، معتبرة أن المملكة المتحدة أصبحت متأخرة عن حلفائها.
وأضافت أن العديد من الدول الأوروبية بدأت اتخاذ خطوات لتقييد أو حظر منتجات المستوطنات، بينما تواصل الحكومة البريطانية القول إن التحرك في هذا الاتجاه سيكون معقداً.
وتساءلت عن سبب قدرة بريطانيا على فرض عقوبات صارمة على الأراضي التي تحتلها روسيا، وعدم تطبيق النهج نفسه على الأراضي التي تحتلها إسرائيل.
وقف أي مشاركة بريطانية في المستوطنات
كانت محكمة العدل الدولية قد أصدرت عام 2024 رأياً اعتبر الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير قانوني.
وبحسب منظمة "بتسيلم" الإسرائيلية لحقوق الإنسان، هجّرت دولة الاحتلال عشرات التجمعات الفلسطينية منذ 7 أكتوبر 2023، فيما سجلت الأمم المتحدة آلاف الهجمات التي نفذها المستوطنون.
وقالت النائبة العمالية البارزة إميلي ثورنبيري، رئيسة لجنة الشؤون الخارجية، إن الوضع في فلسطين "لا يطاق"، مشيرة إلى ضرورة جعل توسيع المستوطنات مكلفاً اقتصادياً لإسرائيل.
وأكدت ضرورة حظر استيراد البضائع المنتجة داخل المستوطنات غير القانونية، وفرض عقوبات على المتورطين فيها، وضمان وقف مشاركة أي شركات بريطانية في هذه الأنشطة.
وأظهر استطلاع بين أعضاء حزب العمال أن 87% يؤيدون حظر التجارة مع المستوطنات الإسرائيلية، مقابل معارضة 6% فقط.
وكانت حكومة حزب العمال قد فرضت عقوبات على عدد من المستوطنين الإسرائيليين البارزين في الضفة الغربية، كما شاركت مع حلفاء دوليين في فرض عقوبات على وزيري اليمين المتطرف إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش بسبب التحريض المتكرر على العنف ضد الفلسطينيين.
وقالت وزارة الخارجية البريطانية إنها أدانت مراراً عنف المستوطنين وتوسع المستوطنات غير القانونية، وفرضت عقوبات على المسؤولين عن هذا العنف وعلى شخصيات حكومية إسرائيلية متهمة بالتحريض عليه.
وانتقدت النائبة العمالية كيم جونسون نهج الحكومة الحالي، مؤكدة أن بريطانيا لا يمكنها الادعاء بدعم النظام الدولي القائم على القواعد بينما تسمح بتدفق الدعم الاقتصادي والسياسي لأنشطة تنتهك القانون الدولي.
تحرك أوروبي جماعي
رجحت مصادر أن تتحرك بريطانيا بالتنسيق مع دول أخرى مثل فرنسا أو هولندا بدلاً من اتخاذ قرار منفرد.
كما طالب حزب الخضر والحزب الوطني الاسكتلندي بمواقف أكثر تشدداً، معتبرين أن وضع ملصقات تعريفية على منتجات المستوطنات غير كاف، وأن المطلوب هو حظر كامل لهذه التجارة.
وقال النائب كريس لو إن الوقت حان لتتوقف الحكومة البريطانية عن تقديم الأعذار، مؤكداً أن هناك سوابق قانونية وسياسية لوقف التجارة مع الأراضي المحتلة بشكل غير قانوني.
وحذرت منظمات قانونية من أن بريطانيا تفشل في الوفاء بالتزاماتها بموجب القانون الدولي بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، داعية إلى اتخاذ إجراءات فعلية وليس خطوات رمزية.
وتأتي هذه الضغوط في وقت تشهد فيه العلاقات البريطانية الإسرائيلية تراجعاً ملحوظاً، وسط استمرار الجدل السياسي داخل حزب العمال حول موقف الحكومة من غزة.
ويرى مراقبون أن المنافسة السياسية الداخلية والضغوط الشعبية قد تدفع لندن خلال المرحلة المقبلة إلى تبني سياسة أكثر صرامة تجاه دولة الاحتلال قد تبدأ بحظر بضائع المستوطنات.