وكالة القدس للأنباء - متابعة
توجه باحثة يهودية في كتاب جديد، “الرقابة الجديدة”، (بالعبرية والإنكليزية)، ما يشبه لائحة اتهام ضد الصحافة العبرية، وتؤكد أنها حجبت الحقيقة عن الإسرائيليين مثلها مثل طبيب أورام أخفى عن مريضه إصابته بالسرطان.
في كتابها الصادر عن دار النشر “راديكال”، تكشف الباحثة والمحاضرة في جامعة لندن أيالا بانيفسكي الآليات التي تسهم بها وسائل الإعلام العبرية في صعود قادة إسرائيليين مناهضين للديمقراطية، يدمرون حرية الصحافة.
كتاب بانيفسكي المستند إلى أبحاث متطورة وعشرات المقابلات وملاحظات شخصية، يستعرض مسيرة تدهور العمل الصحافي في إسرائيل، وتقدم توصياتها حول المطلوب فعله لحماية مستقبل الصحافة والديمقراطية، كما تقول.
في مقدمة كتابها تتساءل الكاتبة: كيف تعمل الرقابة اليوم؟ وما تلبث أن تجيب بالنفي قائلة: “ليس من خلال عمليات حذف جذرية تقوم بها مؤسسة الرقابة، بل من خلال قرارات خوارزميات خفية تشكل الخطاب العام”، مشددة على خطورة “الرقابة الذاتية” المنتهجة من قبل عدد كبير من الصحافيين الإسرائيليين.
تكشف بانيفسكي من يقرر فعلاً ما يرى، ولماذا يتم الحديث عن قضايا معينة دون غيرها، وكيف تغير الرقابة الديمقراطية في إسرائيل دون أن يلاحظها أحد.
وجاء في بيان دار النشر حول الكتاب الجديد، أن الدكتورة أيالا بانيفسكي باحثة حائزة على جوائز في مجال التواصل السياسي، متخصصة في الشعبوية السلطوية والهجوم على الصحافة في إسرائيل وحول العالم. تعمل بانيفسكي مع صحافيين من مختلف أنحاء العالم لتحسين بيئة الأخبار وتعزيز حق الجمهور في المعرفة في عصر التهديدات الجديدة والمتطورة للرأي العام.
عن استبدال رقابة مؤسسة الرقابة العسكرية بالرقابة الذاتية، تقول الباحثة في كتابها الجديد: “عندما نفكر في الرقابة، نتخيل فقرات محذوفة، أو شاشات سوداء، أو كتباً ممنوعة. هذه الأساليب القديمة لا تزال موجودة في حياتنا، لكنها اليوم تُستبدل بتكتيكات أكثر تطوراً وخطورة، على نطاق وكثافة نعرفهما جيداً. هذه هي الرقابة الجديدة: التضليل، والدعاية المتخفية في ثوب الصحافة، والتوازن الزائف. كل هذه الأدوات أصبحت في أيدي القادة الشعبويين في حربهم على الرأي العام. وتحت الضغط والتهديدات، وفي ظل سيل من الأكاذيب ونظريات المؤامرة، تتعلم وسائل الإعلام ببطء كيف تفرض رقابة ذاتية على نفسها”.
طبيب أورام
وللتعبير عن خطورة دور الصحافة في إسرائيل اليوم، تلجأ الكاتبة للمجاز وتقول إن الإعلام العبري هنا أشبه بطبيب أورام يخفي خطورة حالة مرضاه حتى يموتوا بروح معنوية عالية.
من مقر إقامتها في لندن، أجرت أيالا بانيفسكي تحقيقاً حول تغطية الحرب في إسرائيل، وتفسر استنتاجاتها سبب ظهور الإسرائيليين في العالم بمظهر المنفصلين عن الواقع: “عندما راقبت الدكتورة بانيفسكي الإعلام الإسرائيلي خلال حرب 7 أكتوبر، شبهته بطبيب أورام مهمل، والرأي العام الإسرائيلي بمريض في مراحله الأخيرة”.
وتتابع: “يعمل الإعلام كطبيب يخفي خطورة حالته عن مرضاه، حتى يموتوا سريعاً بروح معنوية عالية. لكن السرطان باق لا محالة. إذا علمنا بالأمر مبكراً، وإذا توفرت لدينا جميع المعلومات والبيانات اللازمة لمكافحة المرض، فقد نتمكن من إنقاذ أرواحنا”.
وتؤكد الباحثة في هذا المضمار، أن وسائل الإعلام الإسرائيلية شاركت في جهود إخفاء حجم الدمار والمعاناة في غزة عن الإسرائيليين.
وتضيف: “بدلاً من أن يقوم الصحافيون، الذين أقدر بعضهم كثيراً، بعملهم، أشعر أنهم يغطون أعين العامة، وهذه مأساة. كل شخص تحدثت إليه خارج إسرائيل خلال العامين ونصف العام الماضية ينظر إلى ما يحدث ولا يفهم، كيف يُعقل أن أصدقاءه الإسرائيليين، الذين كان بإمكانه التحدث معهم دائماً حتى في حال وجود خلافات، يبدو الآن وكأنهم لا يعيشون في الواقع نفسه. من الخارج، يبدو الأمر كما لو أننا نحن الإسرائيليين قد صعدنا على متن مركبة فضائية وانفصلنا عنها. هذا وضع خطير، قد يكلفنا غالياً”.
وترى أنه سيكون من الصعب العودة إلى الوضع السابق. وتقول إنها بدأت بتأليف الكتاب بعد قليل من اندلاع الحرب، وافترضت أنها ستنتهي قريباً. وتتابع: “كنا ننظر إلى فترة الحرب بأثر رجعي، أو على الأقل معظمها. من الصعب تذكر ذلك، ولكن كانت هناك أسباب وجيهة للتفكير بهذه الطريقة، مع عناوين رئيسة مثل “صفقة قيد التنفيذ/في لحظة”، والتي نعلم الآن أن الكثير منها كان مجرد تضليل إعلامي. لم تنته الحرب بعد، لكن الأشهر الستة الأولى كانت كافية لتشكيل أنماط تفكير وسائل الإعلام”.
القناة 12
تستند الباحثة في كتابها إلى تحليل عينة من البرامج التي بثت على القناة 12 العبرية خلال ما وصفته بستة أشهر حاسمة، إذ تم اختيار 50 فقرة عشوائياً من نشرات الساعة الثامنة مساء، تضم 721 خبراً (مقالات، مقابلات، حلقات نقاش)، منها 522 تناولت الحرب بشكل مباشر.
تقول الباحثة: “بصفتي شخصاً يتابع الأخبار يومياً على مدار العامين الماضيين، أستطيع القول إن التأطير والتجاهل اللذين شكلا السردية المركزية لوسائل الإعلام خلال الحرب لم يتغيرا بعد مرور عامين ونصف”.
منوهة أن هناك عدة عوامل وراء اختيار هذه القناة، فتقول إنها سيدة القنوات الإسرائيلية والأكثر مشاهدة، وأن نشرة أخبارها عند الثامنة ليلاً تجتذب مشاهدين كثرا، منهم صناع القرار وأعضاء طبقات النخب السياسية والعسكرية والاقتصادية، وهي تملي أجندة حتى لوسائل إعلام أخرى، وهنا تكمن مسؤوليتها وخطورتها.
ويؤكد الكتاب أن الكارثة الإنسانية في قطاع غزة غائبة تقريباً عن التغطية الإعلامية الإسرائيلية، إذ لم تتناول سوى 3% من المواد التي غطت الحرب الوضع المدني في غزة.
ومن بين مئات المواد في العينة، لم تذكر سوى أربع منها الضحايا الفلسطينيين في قطاع غزة ممن لم يشاركوا في أعمال قتالية.
ويؤكد أن الفجوة بين التغطية الإعلامية في إسرائيل والعالم تبرز بوضوح في الجانب البصري، فقد أظهرت مقاطع الفيديو والصور من قطاع غزة التي بثت للمشاهدين القتال، وجنود الجيش الإسرائيلي، والمباني المدمرة، والمدن المهجورة، متجاهلة المعاناة الإنسانية وتكاليف الحرب.
قتل النساء والأطفال
وتشير بانيفسكي إلى أنه “في الأشهر الستة الأولى من الحرب على غزة، قُتل أكثر من 31 ألف شخص داخل القطاع بينهم 9 آلاف امرأة و13 ألف طفل”، منوهة أن الأمم المتحدة قد نشرت هذه الأرقام استناداً إلى بيانات وزارة الصحة في غزة.
وتتابع في هذا الشأن: “لم تنشر إسرائيل حتى الآن بيانات عن القتلى في غزة جراء الحرب. منذ ذلك الحين، يُقتل العشرات يومياً في قطاع غزة، وحتى الجيش الإسرائيلي لا يدعي أن معظمهم إرهابيون. ولا يُذكر هذا الأمر صراحة في أي من القنوات التلفزيونية الرئيسية”.
وتتساءل: “كيف يفترض بالمواطنين الإسرائيليين اتخاذ قرارات مدروسة بشأن مستقبلهم دون أبسط المعلومات، مثل من مات ومتى؟”.
وتوضح أن العديد من الأعذار التي ربما كانت مقبولة في مرحلة الصدمة في البداية، أصبحت الآن أقل إقناعاً بكثير: “مجرد كون شيء ما مؤلماً لا يبرر إخفاءه عن وسائل الإعلام. كل من يريد معرفة الحقيقة هو وطني لا يقل شأناً عن غيره. إخفاء المعلومات عن الإسرائيليين عمل منافٍ للوطنية. إن التصور الذي روجت له وسائل الإعلام الإسرائيلية، وكأن معاناة الفلسطينيين وآلام الإسرائيليين تأتي على حساب بعضها البعض، محض هراء. ففي نهاية المطاف، إذا قامت إسرائيل الآن بتدمير مدينة غزة أيضاً، فسيموت الرهائن والفلسطينيون الأبرياء على حد سواء”.
