لم يعُد رئيس «مجلس السلام»، نيكولاي ميلادينوف، يحاول تمويه سيف المطالب الإسرائيلية الذي يرفعه في وجه الفصائل الفلسطينية، والذي يعطّل أيّ مسار تفاوضي من شأنه أن يعصم الفلسطينيين في قطاع غزة من عودة الحرب بشكلها الواسع. إذ ربط، أخيراً، مشاركته في اجتماعات القاهرة المرتقب عقدها خلال الأيام المقبلة، بحدوث تقدّم إيجابي في ملفّ نزع سلاح المقاومة، الذي تضعه إسرائيل مقدّمة للانتقال إلى أيّ خطوة لاحقة. ويأتي هذا بعد اتهامه الصريح لحركة «حماس» بتعطيل خطّة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، (اتفاق شرم الشيخ)، وذلك في كلمة ألقاها أمام «مجلس الأمن الدولي»، تحدّث فيها عن مبادرته ذات البنود الـ15 لتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار.
وفي مقابل ذلك، تحاول الفصائل الفلسطينية، التي من المقرّر أن تلتقي الوسطاء في القاهرة، تقديم مقترحات جديدة، تتضمّن مقاربة مقبولة للقضايا العالقة، وعلى رأسها سلاح المقاومة.
وفي هذا السياق، كثّفت «حماس»، خلال الأسابيع الأخيرة، اتصالاتها مع الوسطاء في مصر وتركيا، فيما تترقب الإدارة الأميركية و«مجلس السلام» نتائج تلك المحادثات. ومن المنتظر وصول ممثّلين عن أنقرة إلى القاهرة، لعقد اجتماعات مع مسؤولين مصريين ومندوبي الفصائل والدول الوسيطة، علماً أن وفداً من المجلس القيادي لـ«حماس» عقد لقاءات مع مسؤولين أتراك في أنقرة.
وتشي التطورات الأخيرة بأن المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وفصائل المقاومة خرجت من دائرة الخلاف على تنفيذ استحقاقات «اتفاق شرم الشيخ»، إلى التعامل مع واقع أن تل أبيب لم تعُد تتصرّف على أساس وجود اتفاق موقّع في غزة يستحق الالتزام به. مع ذلك، كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» العبرية عن نشوب جدل داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية حول توقيت إطلاق عملية عسكرية واسعة تهدف إلى نزع سلاح «حماس» والسيطرة على ما تبقّى من القطاع.
ووفق الصحيفة، فإن المسؤولين السياسيين والأمنيين أرجأوا العودة إلى القتال الواسع في غزة التزاماً بترتيب أولويات الجبهات المفتوحة في لبنان وإيران. لكن هذا الإرجاء لم يحُل دون الحفاظ على سياسة الضغط الميداني المستمرّ التي تشهد تصاعداً تدريجياً، بدءاً من عمليات الاغتيال الجراحية، انتقالاً إلى الأحزمة النارية وتهديد المربعات السكنية، وانتهاءً بقصف تجمّعات المواطنين في المناطق المكتظّة والشقق السكنية والخيام.
في ظلّ هذه الأوضاع، جاءت كلمة «أبو عبيدة»، الناطق العسكري باسم «كتائب القسام»، التي بدت وكأنها تحمل موقفاً يستبق الحوارات المرتقبة. إذ نعى «أبو عبيدة» الشهيد القائد عز الدين الحداد وخلَفه الشهيد محمد عودة، مؤكداً أن المقاومة باتت في مواجهة «عدو خسيس لا يقرّ بحرمة الاتفاقيات وقد أساء قراءة المشهد وأخطأ التقدير»، مضيفاً أن فاتورة الحساب ستبقى مفتوحة. كذلك، تساءل عن دور الوسطاء والضامنين مع استمرار جرائم الاحتلال، قائلاً: «نخاطب الوسطاء كأبناء أمّتنا ألّا يساووا بين الضحية والجلاد، وندعوهم للوقوف موقفاً تاريخياً مع غزة لإجبار الاحتلال على تنفيذ بنود وقف إطلاق النار".
ووفقاً لمصادر مطلعة على مسار المفاوضات، فإن الوسطاء «يسعون إلى إشراك ميلادينوف في لقاءات القاهرة، إلا أن مصادر من «حماس» وأخرى مقرّبة من المندوب السامي أكدت أن تلك الجهود لم تنجح بعد، خصوصاً مع استمرار الحركة في انتقاد ميلادينوف علناً واتّهامه بالانحياز إلى إسرائيل وتبنّي روايتها».
وتفيد المصادر ذاتها بأن رئيس «مجلس السلام» على تواصل يومي مع الوسطاء، ويحصل منهم على تحديثات بشأن جهودهم، لافتة إلى أنه «يربط مصير مشاركته في الاجتماعات بالحصول على إجابة واضحة حول ملفّ السلاح، الذي تطالب إسرائيل، ومن خلفها مجلس السلام، بنزعه كاملاً، سواء سلاح الفصائل والعشائر أو حتى السلاح الشخصي، قبل أن تباشر لجنة التكنوقراط أداء مهامها في غزة".
وفي هذا السياق، وصفت «حماس»، أمس، اتهامات ميلادينوف للحركة برفض تسليم الحكم في قطاع غزة بأنها «أكاذيب»، مجدّدة إعلانها الجاهزية للتعاون مع «اللجنة الوطنية لإدارة غزة» في استلام مهامها.
وقال المتحدث باسم الحركة، حازم قاسم، في بيان، إن «حديث بعض الأطراف في مجلس السلام عن أن حركة حماس لا تريد تسليم الحكم في قطاع غزة، هو أكاذيب مضلّلة تهدف إلى توفير غطاء للاحتلال ليستمر في عدوانه». وأضاف أن «حماس لديها الجاهزية التامة لتسليم مجالات الحكم كافة، بما فيها الأمن، للجنة الوطنية الموجودة في القاهرة التي تمّ التوافق عليها»، مبيّناً أن «المعيق الأساسي لعمل اللجنة هو إسرائيل وميلادينوف، الذي عقّد المسائل عبر ربط كلّ المسارات بقضية واحدة في الاتفاق، بخلاف الرؤية التي وضعها ترامب للسلام في قطاع غزة".
على الأرض، استمرّت جرائم القتل الإسرائيلية بوتيرتها المعتادة؛ إذ قصفت الطائرات المسيّرة الإسرائيلية سيارة مدنية في مدينة دير البلح، ما أدى إلى استشهاد ثلاثة مواطنين. كما أغارت على تجمّع للمواطنين في حي الزوايدة، متسببةً باستشهاد مواطن وإصابة آخرين، فيما قصفت خيمة تؤوي نازحين في مخيم الشاطئ الشمالي، ما أدى إلى استشهاد مواطن وإصابة عشرة آخرين.