رفض جرحى فلسطينيون فك أو تعليق اعتصامهم المفتوح أمام مجلس الوزراء في رام الله وسط الضفة الغربية المحتلة، حتى يجري الإيفاء بالتعهدات التي حصلوا عليها خلال الأيام الماضية لحل أزمة مرتباتهم ومرتبات أهالي الشهداء والأسرى، مبررين ذلك بأن الثقة بالوعود تزعزعت بعد أن علقوا الاعتصام المرة الأولى قبل أكثر من عشرة أيام بناء على وعود بصرف دفعة من مستحقاتهم مع رواتب الموظفين العموميين قبل عيد الأضحى.
وأعاد المحتجون اعتصامهم المفتوح الاثنين الماضي، وقضى قرابة 15 من الجرحى عيد الأضحى أمام مقر مجلس الوزراء الفلسطيني بمدينة رام الله، وليس في بيوتهم، وذلك احتجاجاً على عدم الإيفاء بالوعود.
وصعّد المعتصمون اليوم الاثنين، من خطواتهم بتنظيم وقفة احتجاجية بمشاركة أهالي أسرى وأسرى محررين ونشطاء شاركوا دعماً للمعتصمين، هتفوا خلال الاعتصام ضد مؤسسة "تمكين" التي تعنى بالحالات الاجتماعية، وضد رئيسها أحمد مجدلاني، مطالبين بإقالته، ومطالبين بسحب ملف رواتب الجرحى وأسر الشهداء والأسرى من المؤسسة، وعدم التعامل معهم كحالات إنسانية، بل حالات نضالية.
وشارك في الاعتصام أهالي أسرى إسناداً للمعتصمين، وكذلك للمطالبة بحقهم في المرتبات التي تعتمد عوائلهم عليها في حياتهم اليومية بشكل كامل.
وعود لم تجسّد
وبحسب الجريح والأسير المحرر ناصر زيد، فإن المعتصمين حصلوا على وعد بعد اتفاق مع هيئة السلم الأهلي وأسرى محرّرين بإيعاز من وزير الداخلية زياد هب الريح، بصرف جزء من المستحقات لكل أسرة شهيد وجريح بمبلغ 1500 شيكل (535 دولاراً) بالتزامن مع رواتب الموظفين العموميين يوم الأحد من الأسبوع الماضي، على أن يتم البحث في حل أزمة المرتبات لاحقاً بما فيها مرتبات الأسرى.
وقال زيد لـ"العربي الجديد" إنّ "عدم صرف المبلغ المتفق عليه أدى إلى إعادة الاعتصام المفتوح مرة أخرى، وإثر ذلك حصل المعتصمون على مبادرة من عضو اللجنة المركزية لحركة فتح المنتخب والأسير المحرر زكريا الزبيدي، واللجنة الشعبية في مخيم الجلزون بصرف مبلغ الأسبوع الجاري، مشابه لما جرى صرفه في شهر ديسمبر/كانون أول الماضي، وفقاً لمعايير مؤسّسة تمكين أي مبالغ تتراوح بين 250 شيكلاً و1400 شيكل (90 دولاراً إلى 500 دولار)، على أن يجري تعديل الآلية بما يضمن كرامتهم خلال شهر يونيو/حزيران المقبل".
وأكد زيد أنّ المعتصمين أُبلغوا بتوقيع الرئيس محمود عباس على قرار الصرف خلال الأسبوع الجاري، لكنهم وبسبب عدم الإيفاء بما تم وعدهم به المرة السابقة لن يقوموا بفض الاعتصام إلا بعد صدور قرار رسمي بالتعديل، وأضاف "نريد ضمان استمرارية الراتب، لا نريد الذهاب من هناك والشهر القادم نفاجأ بصرف 250 شيكلاً (90 دولاراً) لوالدة الشهيد، هذا الأمر مرفوض رفضاً قاطعاً، نتمنى أن يكون هناك حل منصف وواضح".
وتساءل زيد، عن سبب عدم زيارة رئيس الوزراء لهم، رغم مكوثهم قرابة 14 يوماً على فترتَين أمام مكتبه، ولماذا لا يتم وضع ملفهم كأولوية لدى وزارة المالية كالموظفين العموميين، رافضاً التعامل معهم كحالات إنسانية واجتماعية وضمهم للعائلات المحتاجة، بل التعامل معهم كحالات نضالية، كما طالب الرئيس عباس بالاجتماع بهم وسماع وجعهم كجرحى وأهالي شهداء وأسرى.
معاناة الجرحى
وأوضح الجريح سامر النتشة من الخليل لـ "العربي الجديد"، أن "معاناته وباقي الجرحى ممتدة إثر إيقاف رواتبهم منذ تسعة أشهر، مؤكداً أن الأزمة تعود لصدور قرار رئاسي العام الماضي، بتحويل ملف أسر الشهداء والجرحى والأسرى إلى مؤسسة تمكين والتعامل معهم كقضية اجتماعية بدلاً من كونهم قضية نضالية"، وأضاف إن "المؤسسة لم تتعامل معهم حتى ضمن الإطار الاجتماعي"، مطالباً أصحاب القرار بسحب الملف منها فوراً والتعامل مع قضيتهم وطنياً وليس كقضية إنسانية".
وأكد الجريح سامر مشة من مخيم بلاطة، وهو جريح منذ عام 1985، أن عودة الاعتصام والمبيت في الشارع خطوة حتمية لاسترداد الحقوق إثر التنصل من الاتفاق الأول برعاية لجنة السلم الأهلي والذي كان ينص على صرف 1500 شيكل من المستحقات المتأخرة كاستحقاق مالي، وليس منحة إنسانية. وقال لـ "العربي الجديد" إن "المعتصمين يرفضون المبادرات التي تحاول مؤسسة تمكين من خلالها صرف مبالغ مجتزأة، رغم الوعود المرافقة لها بتعديل آلية الصرف لاحقاً، بسبب فقدان الثقة بالوعود المتكررة"، مطالباً برفع المبالغ التي يجري صرفها إلى مستوى الحد الأدنى للأجور وهو 1880 شيكلاً (670 دولاراً).
عائلات الأسرى
وتحدثت جميلة العصا زوجة الأسير راشد اليمني لـ"العربي الجديد"، عن معاناة مركبة للأسرى وعوائلهم بما فيها عائلتها، إذ قُطع مرتب زوجها منذ قرابة عام ضمن 1600 أسير، رغم أنه متقاعد ويستحق راتباً تقاعدياً. وأوضحت أن مشاركتها في الاعتصام وكل الاعتصامات المشابهة وهي القادمة من بيت لحم جنوب الضفة وصولاً إلى رام الله، من أجل المطالبة باسترداد حقوق الأسرى والشهداء والجرحى، والمطالبة بإعادة تفعيل القانون الخاص بهم، معتبرة إبقاء الملف لدى مؤسسة تمكين قد تسبب بإذلال الناس.
وحذرت العصا من خطورة الأوضاع في السجون الإسرائيلية، ولا سيّما الوضع الصحي، إذ يعاني زوجها من مرض سكابيوس الجلدي، ويعاني من أوجاع ومشاكل صحية في العظام والأسنان، مشيرة إلى أنها أم لطفلين وقد تدهورت الأوضاع المعيشية لها ولكل المقطوعة رواتبهم وتراكمت عليهم الديون والمستحقات كالإيجارات.
وكانت رواتب جرحى وأهالي شهداء وأسرى قطعت بعد ثلاثة أشهر من إصدار رئيس سلطة رام الله محمود عباس مرسوماً رئاسياً العام الماضي، تُنقَل بموجبه مخصصات الأسرى الفلسطينيين والجرحى وأسر الشهداء التي تدفعها السلطة الفلسطينية إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي. ويقضي المرسوم الرئاسي بإلغاء المواد الواردة بالقوانين والنظم المتعلقة بنظام دفع المخصصات المالية لعائلات الأسرى، وأسر الشهداء، والجرحى، في قانون الأسرى واللوائح الصادرة عن مجلس الوزراء ومنظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك نقل برنامج المساعدات النقدية المحوسب وقاعدة بياناته ومخصصاته المالية والمحلية والدولية من وزارة التنمية الاجتماعية إلى المؤسسة الوطنية الفلسطينية للتمكين الاقتصادي.
كانت المحكمة الإدارية قرّرت في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، إعادة صرف راتب أسير قاصر، كان قد قطع مرتبه، وعولت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان التي كانت قد ترافعت عن الأسير أحمد فراس حسن وقدمت طعناً باسمه أمام المحكمة الإدارية؛ على القرار لحل مشكلة قطع رواتب 1600 أسير آخرين، وتنتظر انتهاء المهلة القانونية المتاحة للنيابة للاستئناف، حتّى يتبين كيفية تعامل الحكومة الفلسطينية مع قرار المحكمة.