قائمة الموقع

"إسرائيل" تعاين تصدّع استراتيجيتها: الحرب «كشفتنا» أمام إيران

2026-05-30T15:58:00+03:00
علي حيدر*

تتعاظم المخاوف الإسرائيلية من أيّ تفاهم محتمل أو قائم بين الولايات المتحدة وإيران، قد يشكّل لحظة انعطاف استراتيجية تنهي، أو على الأقلّ تهزّ، أحد أكثر الرهانات رسوخاً في التفكير الإسرائيلي تجاه الجمهورية الإسلامية. والرهان المذكور هو ذلك القائم على أن مزيجاً من الضغط المتراكم، والحصار، والتصعيد العسكري، والحرب المباشرة، قادر على إسقاط النظام الإيراني، أو إخضاعه، أو دفعه إلى التراجع عن عناصر قوته الأساسية.

من هنا، يبدو السؤال الرئيس في إسرائيل اليوم: ماذا لو انتهت المواجهة الكبرى التي سعى إليها بنيامين نتنياهو طوال عقود، بالنتائج التي تبلورت حتى الآن؟

في الحسابات الإسرائيلية، فإن الحرب الأخيرة، بما تخلّلها من ضغوط قصوى، وقصف مُكثّف، وانخراط أميركي مباشر، كان يُفترض أن تدفع إيران إلى أحد 3 مسارات: سقوط النظام من الخارج، انهيار داخلي، أو الخضوع لشروط جديدة.

لكن النتيجة كانت أن النظام بقي قائماً، واحتفظ بقدرته على المبادرة، وأظهر استعداداً لتحمّل كلفة عالية، من دون الوصول إلى لحظة الانكسار السياسي التي راهن البعض عليها. لا بل ازداد التفاف الجمهور حوله، إلى حدّ ذهاب بعض الشرائح الشعبية نحو تبنّي خيارات أبعد من توجّهات القيادة نفسها في المفاوضات.

إزاء ذلك، ومع تبلور مشروع اتفاق مرحلي بين واشنطن وطهران، لا تخشى تل أبيب تراجع الخيار الحربي فقط، بل وأيضاً تآكل صورة الردع الأميركي - الإسرائيلي، إذ أن الردع تجاه إيران استند، خلال سنوات طويلة، إلى قوة الغموض أكثر منه إلى التجربة المباشرة.

ولذا، كانت طهران تتحرّك تحت تأثير تهديد غير مُختبَر بالكامل، فيما لا تعرف بدقّة أين تنتهي حدود ما يمكن أن يفعله أعداؤها. لكنّ الحرب نقلت الردع من حيّز الافتراض إلى حيّز الاختبار، وكشفت أن هناك حدوداً فعلية لما تستطيع إسرائيل والولايات المتحدة فعله. فالحملة أظهرت بوضوح القيود التي تَحكم القوة الغربية، ومنها التردّد في الانخراط في معركة برّية، والحساسية العالية للكلفة البشرية والسياسية، ومحدودية القدرة على تحمّل حرب ممتدّة ذات تأثيرات كبرى على الاقتصاد العالمي وقطاع الطاقة.

وهكذا، فإن أخطر ما انتهت إليه الحرب، من وجهة نظر إسرائيلية، هو أن إيران لم تختبر فقط أقوى قوة عالمية، ومعها أقوى قوة إقليمية تكنولوجياً وعسكرياً، بل فهمت إكراهاتهما أيضاً، ورأت بالتجربة كيف يؤثّر مضيق هرمز على سقف القرار الأميركي، وكيف تستطيع أسواق الطاقة أن تتحوّل إلى قيد مباشر على التصعيد. كما التمست عمق الاعتماد الإسرائيلي على الولايات المتحدة، سياسياً وعملياتياً ولوجستياً.

كذلك، يرتبط القلق الإسرائيلي بإمكانية أن يفتح أيّ تفاهم الباب أمام تخفيف الطوق الاقتصادي عن إيران أو تقويضه تدريجياً، إذ أن إسرائيل تنظر إلى العقوبات كجزء من معادلة استنزاف استراتيجية تحدّ من قدرة إيران على إعادة بناء نفسها، في حين أن رفعها سيتيح لطهران فرصة لإعادة ترميم البنية التحتية، واستعادة القدرات العسكرية، وتطوير عناصر القوة التي استهدفت الحرب إضعافها. ويضاف إلى ما تقدّم، احتمال ترسّخ السيطرة الإيرانية على مضيق هرمز، وهو ما سيتحوّل إلى عنصر نفوذ دائم في يد إيران، يمنحها قدرة على التأثير في حسابات القوى الكبرى والإقليمية، وينعكس في النهاية قيوداً إضافية على حرية الحركة الإسرائيلية.

في السياق نفسه، تخشى إسرائيل أن تكون الحرب ولّدت قناعة لدى القوى الخليجية الرئيسَة بأن الانخراط مجدّداً في خيارات صدامية مفتوحة مع إيران، ليس مساراً رابحاً، وأن التكيّف مع الواقع الجديد أكثر عقلانية من الاستثمار في رهانات مواجهة طويلة. وإذا ما تكرّس هذا الاتجاه، فإن إسرائيل تخسر جزءاً من البيئة الإقليمية التي سعت إلى بنائها لموازنة إيران والضغط عليها.

غير أن تداعيات الحرب بالنسبة إلى إسرائيل، لا تتوقّف عند إيران أو الخليج، بل تمتدّ إلى لبنان و"محور المقاومة". فالزخم الذي راكمته إيران عبر الصمود، وإظهار مستوى من الندّية في مواجهة الجيشَين الأميركي والإسرائيلي، يولّد خشية من أن ينعكس على «حزب الله» تحديداً، نفسياً وسياسياً وعملياتياً، إذ تعتقد تل أبيب أن أيّ انطباع قد يتشكّل لدى الحزب، من جراء ذلك الزخم، بتراجع فاعلية الضغط العسكري الأميركي – الإسرائيلي في فرض نتائج حاسمة، سيكون من شأنه تعزيز القناعة عنده بأن الوقت والقدرة على الصمود لا يزالان عنصرَين مركزيين في معادلات الصراع. كما أن أيّ تخفيف للضغط على إيران أو توسّع في هامش حركتها الاقتصادية والسياسية، سينعكس بصورة أو بأخرى على البيئة الاستراتيجية للمحور ككلّ.

كذلك، تعتقد تل أبيب أنه إذا كانت واشنطن تميل إلى تثبيت تفاهماتها مع طهران، فإن هذا الأمر قد يُترجَم مباشرة قيوداً إضافية على السلوك الإسرائيلي في الساحة اللبنانية، خصوصاً أن الولايات المتحدة سترغب، والحال هذه، في تجنّب انزلاق إقليمي جديد، وقد تصبح أكثر حساسية تجاه أيّ تصعيد إسرائيلي واسع في لبنان يمكن أن يعيد تفجير مسارات تحاول ضبطها. ومن هنا، يبرز تخوّف إسرائيلي عميق من أن تتحوّل الولايات المتحدة من شريك يدفع نحو توسيع الضغط، إلى جهة تضبط إيقاع إسرائيل، وتضع سقوفاً لحركتها العسكرية، سواء في لبنان، أو في ساحات إقليمية أخرى متّصلة بإيران.

في خلفية كلّ ذلك، يلوح هاجس أكبر، هو أن تؤدي هذه التحوّلات مجتمعة إلى اهتزاز أو انهيار المفهوم الاستراتيجي - العملياتي الذي تطوّر داخل إسرائيل بعد «طوفان الأقصى»، والقائم على إعادة إنتاج الردع بالقوة، وتوسيع حرية العمل، ومنع تشكّل بيئة إقليمية تمنح خصوم إسرائيل وقتاً لإعادة التموضع واستعادة المبادرة. (المصدر: جريدة الأخبار)

اخبار ذات صلة