في وقت تتواصل فيه المساعي الدبلوماسية الدولية لتثبيت أركان التهدئة المعطلة في قطاع غزة، يزاح الستار عن واقع ميداني مغاير تماماً تصفه شهادات من داخل جيش الاحتلال الإسرائيلي بأنه أشبه بـ "الغابة"، حيث تحول ما يُعرف بـ "الخط الأصفر" العازل إلى جبهة قتل مفتوحة تُسفك فيها دماء المدنيين الفلسطينيين بدم بارد وبعيداً عن الأضواء.
ففي تحقيق موسع نشرته وكالة "أسوشيتد برس" (AP)، كشف ثلاثة جنود من قوات الاحتلال (ممن خدموا كجنود احتياط في القطاع وتحدثوا شريطة التكتم على هوياتهم) عن ارتكاب فظائع مروعة واستهداف ممنهج لكل من يقترب من الخط الفاصل الذي يقسم غزة إلى مناطق سيطرة إسرائيلية وأخرى فلسطينية.
"أوامر بالتصفية مهما كان الثمن"
يروي أحد الجنود القتاليين في العشرينيات من عمره للوكالة مشهداً يعكس العقيدة العسكرية المتبعة ميدانياً، حيث رصد زملائه يتبادلون التهاني باحتفالية صاخبة عقب قصف مركبة مدنية فلسطينية وقتل جميع ركابها.
ويضيف الجندي: "بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، كانت الأوامر العسكرية الصارمة تقضي بـ: إذا عبَرَ شخص ما الخط، أطلقوا عليه النار مباشرة.. لقد تحول الأمر إلى غابة، وبات الجنود يستمتعون بملاحقة الضحايا".
وتتقاطع هذه الإفادات مع وثائق واعترافات جمعتها منظمة "كسر الصمت" الحقوقية (وهي منظمة إسرائيلية تضم محاربين قدامى)، إذ أكد الجنود أن قواعد الاشتباك فضفاضة ومفرطة في إباحة القتل، لدرجة أن التعليمات الصادرة بشأن أي شخص يقترب من الخط تلخصت في عبارة: "قم بتصفيته مهما كان الأمر".
كما أشار المدير التنفيذي للمنظمة ناداف ويمان، إلى أن سياسات القيادة العليا للاحتلال خلقت واقعاً يُقتل فيه المدنيون لمجرد عبور "خطوط غير مرئية" تفتقر إلى التحديد الواضح في كثير من الأحيان.
تخبط ميداني وغياب للقيمة الإنسانية
وتكشف الشهادات عن حالة عارمة من التخبط الميداني؛ حيث يعتمد الجنود في كثير من الأحيان على "الحدس" أو التخمين في تحديد الإحداثيات وطلب القصف المدفعي أو الجوي عبر الطائرات المسيرة، ما يؤدي إلى سقوط ضحايا دون التثبت من هوياتهم.
ويؤكد جندي آخر تمركز لأسابيع في القطاع أن الرسالة الضمنية والعلنية من القادة تمثلت في "الحفاظ على الخط بأي ثمن"، مستطرداً بمرارة: "كان هناك شعور عام سائد بأن أرواح البشر ليست ذات قيمة".
وحينما سأل الجندي رؤساءه عن سبب عدم تمييز الخط الأصفر بشكل واضح ليعرفه السكان، كان الرد الصادم: "هذا عمل شاق للغاية وليس وظيفتنا، وعلى الفلسطينيين أن يخمنوا مكانه".
وبحسب إفادات القوات، فإن السلوك العام للقادة والتحركات على الأرض لا تشير إلى أي نوايا للانسحاب، بل تؤكد أن إسرائيل تستعد لبقاء طويل الأمد داخل القطاع.
الأرقام تكذب "الهدنة"
برغم المزاعم الإسرائيلية بأن المنطقة المتاخمة للخط الأصفر هي "بيئة عملياتية حساسة" وأن الجيش لا يستهدف المدنيين إلا في حالات التهديد المباشر، فإن توثيق وكالة "أسوشيتد برس" يدحض هذه الادعاءات؛ إذ رصدت الوكالة استهدافاً مباشراً بالرصاص لمدنيين وأطفال كانوا يلهون بالقرب من المنطقة.
ووفقاً لبيانات وزارة الصحة في غزة، فقد سقط أكثر من 900 شهيد منذ بدء سريان الاتفاق الهش، العشرات منهم استشهدوا مباشرة عند الخط الأصفر، ومن بينهم أطفال ورجال عزّل.
وفي السياق ذاته، كشف تقرير داخلي لشركاء العمل الإغاثي أن العمليات الإسرائيلية باتت "استباقية وهجومية بشكل متزايد"، فيما أظهرت بيانات "مشروع تحديد مواقع النزاعات المسلحة" (ACLED) أن الوفيات عند الخط الأصفر سجلت قفزة نوعية تجاوزت 25% خلال الأشهر القليلة الماضية.
ويأتي هذا التصعيد الميداني متزامناً مع تصريحات رئيس حكومة الاحتلال، بنيامين نتنياهو، التي تفاخر فيها ببسط السيطرة على 60% من مساحة غزة، مؤكداً أن الهدف القادم هو رفع هذه النسبة إلى 70%.
وأمام هذا الواقع الدامي، يجمع الجنود المستجوبون على أن الحديث عن تهدئة أو وقف لإطلاق النار ليس سوى وهم وتضليل سياسي؛ حيث اختتم أحدهم شهادته قائلاً: "يتعين علينا التوقف عن استخدام مصطلح "وقف إطلاق النار"؛ فهو خديعة لا تخدم أحداً من الراغبين فعلياً في إنهاء هذه الحرب".