طالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عدّة دول مسلمة بالانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية مع إسرائيل في سياق صفقة محتملة مع طهران، غير أن هذا المطلب محكوم عليه بالفشل في نظر عدّة خبراء.
وأتى طلب الرئيس الأميركي الإثنين في خضمّ المفاوضات مع طهران وقبل ساعات من شنّ غارات أميركية على جنوب إيران هددت بتقويض وقف إطلاق النار الهشّ أصلا.
وعدّد ترامب الطامح على ما يبدو لصفقة كبيرة من شأنها تهدئة الوضع في الشرق الأوسط خمس دول في المنطقة تربطها علاقات مع إسرائيل، فضلا عن السعودية
وقطر وباكستان التي يُستبعد إقدامها على خطوة من هذا النوع في الظروف الراهنة. ولم يتّضح من منشور الرئيس الأميركي إن كان فعلا يعتقد أن الدول ستنضّم إلى هذه الاتفاقيات. ويرجّح محللون أن يكون الغرض من مطلبه المفاجئ إظهار الدعم لإسرائيل أو الاستحصال على مكسب سياسي لتبرير حرب أثارت استياء واسعا.
ما هي الاتفاقيات الإبراهيمية؟
خلال الولاية الرئاسية الأولى لدونالد ترامب، أدّت واشنطن دور الوساطة في إبرام هذه الاتفاقيات لمدّ جسور بين إسرائيل والعالم العربي.
ووقعّ عليها كلّ من الإمارات والبحرين والمغرب، مع إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية وأمنية مع الدولة العبرية، فيما لم يضف بعد السودان طابعا رسميا على علاقاته بإسرائيل.
وتسعى الإدارة الأميركية الحالية إلى توسيع حلقة الموقّعين. وقد قبلت كازاخستان التي تعترف أصلا بإسرائيل بالانضمام إلى الركب في تشرين الثاني/نوفمبر المقبل.
ما قاله ترامب تحديدا؟
بعد اتصال جماعي مع زعماء ومسؤولين رفيعي المستوى في البحرين ومصر والأردن وباكستان وقطر والسعودية وتركيا والإمارات، قال ترامب في منشور على شبكته للتواصل الاجتماعي تروث سوشال إن على الدول الثماني الانضمام إلى الاتفاقات.
وكتب “ستكون وثيقة تحظى باحترام لم يحظ به أيّ مستند تمّ التوقيع عليه في أيّ مكان في العالم”، داعيا السعودية وقطر إلى “التوقيع عليها فورا” و”الجميع إلى السير على هذا المنوال”.
لماذا الأمر غير واقعي؟
تنامت المشاعر المعادية للحكومة الإسرائيلية في الشارع العربي منذ الحرب في غزة والتي شنّتها إسرائيل ردّا على هجمات غير مسبوقة من حماس على جنوب كيان العدو في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 والتي أسفرت عن أكثر من 72 ألف شهيد فلسطيني، بحسب أرقام وزارة الصحة في القطاع.
وبالنسبة إلى غالبية الدول التي ذكرها ترامب، “ستكون التكلفة السياسية للتوقيع في الظروف الراهنة باهظة للغاية”، بحسب هاي. ايه. هيليير كبير الباحثين في معهد الخدمات المتحدة الملكية ومركز التقدّم الأميركي.
وأشار الباحث في تصريحات لوكالة فرانس برس إلى أن الحرب في “غزة متواصلة، وضمّ الأراضي في الضفة الغربية يتسارع والقوّات الإسرائيلية ما زالت متمركزة في جنوب لبنان والجولان محتلّ”.
واعتبر يوسي ميكلبرغ الخبير في شؤون الشرق الأوسط في معهد تشاتام هاوس البحثي في لندن أن الإعلان “مجرّد ترضية لإسرائيل ولن يحدث على الأرجح”.
وتساءل “لم ستقوم هذه الدول بمكافأة (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتانياهو بعد كلّ الدمار الذي ألحقه بالمنطقة والاضرار بمصالحها؟”.
وفي 2023، انخرطت السعودية في محادثات تمهيدية لتطبيع علاقتها بإسرائيل، غير أنها سرعان ما انسحبت منها حال اندلاع الحرب في غزة. وقالت في وقت لاحق إنها لن تعترف بإسرائيل من دون إقامة دولة فلسطينية مستقلّة.
وأشار ميكلبرغ إلى أن “ما من محفّز يدعو السعودية إلى الانضمام لاتفاقيات أبراهام في الوقت الراهن”.
ورجّح أنه “إذا ما قرّروا التطبيع، فهم سيقومون به وفق شروطهم الخاصة وليس بمقتضى اتفاقيات أبراهام”.
وقالت الدبلوماسية الأميركية السابقة بربرا ايه. ليف التي تولّت منصب معاونة وزير الخارجية المكلّفة بشؤون الشرق الأدنى في عهد الرئيس جو بايدن في تصريحات لوكالة فرانس برس “لا أتوقّع من أيّ زعيم من الدول العربية/المسلمة الذين تواصل معهم الرئيس ترامب في 23 أيار/مايو أن يتوجّه إلى التطبيع مع إسرائيل راهنا”.
ما وراء الإعلان؟
يرى بعض المحلّلين أن ترامب قد أقدم على هذه الخطوة ربّما لتهدئة روع إسرائيل فيما يسعى إلى إبرام صفقة مع إيران عدوّتها اللدود.
ومن الممكن أن يكون أيضا يسعى إلى حصد نتيجة إيجابية من الحرب لإسكات الأصوات المعارضة داخل البلد، بحسب محلّلين.
وفي منشور على اكس، كتب عبدالله بندر الطيبي، وهو أستاذ علاقات دولية مساعد في جامعة قطر “هي محاولة أميركية لإقناع إسرائيل والتيارات المتشددة داخل واشنطن بأن الحرب والضغط والتصعيد حققت مكاسب سياسية يمكن البناء عليها”.
وأضاف أن “الإدارة الأميركية تحتاج إلى سردية تقول إن التصعيد لم يكن عبثيا وإن النتيجة النهائية أعادت تشكيل البيئة الإقليمية”، مشيرا إلى أن “المشكلة الحقيقية اليوم ليست فقط في الوصول إلى تفاهم، بل في قدرة كل طرف على تسويق هذا التفاهم داخليا كسردية انتصار لا كسردية تنازل”.
وتساءل هيليير إن كان الهدف المقصود من الإعلان تقويض الصفقة مع إيران التي يعارضها بعض حلفاء الولايات المتحدة.
وهو قال “المدهش هو ألا تأييد (لمخطط الاتفاقات الإبراهيمية) في واشنطن”، وهذا يدلّ “كم أن المقاربة السياسية في العاصمة (واشنطن) تبقى بعيدة عن الحسابات السياسية الإقليمية”.