بعد مدة من الانسداد التامّ والوصول إلى حافة المواجهة العسكرية المباشرة، دخلت العملية الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة مرحلة جديدة، وذلك بفضل عودة الوسطاء الباكستانيين بنشاط كبير إلى خطّ الوساطة في الأيام الأخيرة، وطرحهم مبادرات جديدة. ورغم تحقيق بعض التقدّم، إلا أن الفجوات والخلافات الجوهرية بين الطرفين لا تزال قائمة؛ ما يطرح تساؤلاً حول مدى إمكانية التوصل إلى «اتفاق أولي» يفكّك فتيل الأزمة، حتى لا تتّجه المنطقة نحو الحرب، كسيناريو نهائي لا مفرّ منه.
وفي هذا السياق، كشف مصدر دبلوماسي مطلع، لـ«الأخبار»، عن جملة من الملفات الشائكة التي لا تزال تشكّل نقاط خلاف جوهرية، منها: طبيعة الاتفاق (هل هو شامل أم مرحلي؟)، ومسألة مخزون اليورانيوم المخصّب (الذي تصرّ إيران على بقائه داخل أراضيها، بينما تضغط الولايات المتحدة لنقله إلى الخارج)، بالإضافة إلى مدّة تعليق التخصيب، ومراحل رفع العقوبات ونطاقه، وكيفية إدارة مضيق هرمز؛ وهي ملفات لم يتمّ التوصّل بشأنها إلى صيغة توافقية كاملة حتى الآن. وأضاف المصدر أنه رغم التقدّم في مسار الحوار واستمراريته، لا سيما في أعقاب زيارة وزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، إلى طهران، إلا أنه لم يتمّ حتى هذه اللحظة الاتفاق على أيّ نصّ نهائي أو مسودة محدّدة بين الطرفين.
وفي إطار الحراك الدبلوماسي المكثّف، قام نقوي بزيارتين إلى طهران خلال أسبوع واحد، التقى خلالهما عدّة مرات بكبار المسؤولين الإيرانيين، بمن فيهم الرئيس مسعود بزشكيان، ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، ووزير الخارجية، عباس عراقجي. وبحسب مصادر مطلعة، فإن الزيارة الثانية التي بدأت الأربعاء الماضي، حملت أحدث مقترح أميركي لإيران، فيما نقلت طهران بدورها، إلى ضيفها الباكستاني، وجهات نظرها وملاحظاتها حول ذلك الطرح. وتعزيزاً لجهود إسلام آباد التفاوضية، وصل قائد الجيش الباكستاني، الجنرال عاصم منير، الذي يؤدي دوراً محورياً في تلك الجهود، إلى طهران مساء أمس. وسيجتمع منير، وفق تقارير صحافية، اليوم، مع قائد «الحرس الثوري»، الجنرال أحمد وحيدي. لكن وكالة «تسنيم» الإيرانية أشارت إلى أن «وصول قائد الجيش الباكستاني لا يعني بالضرورة وجود تفاهم نهائي أو مؤكد بشأن الإطار الأولي للاتفاق».
وفي السياق نفسه، نقلت شبكة «سي بي إس» عن مسؤول باكستاني رفيع أن اجتماعات نقوي دفعت المفاوضات نحو مسار مهم، وهو ما يفسر قدوم الجنرال منير للمشاركة في هذه الجهود. كذلك، أرسلت قطر فريقاً تفاوضياً إلى طهران بالتنسيق مع واشنطن لتنضمّ إلى الجهد الباكستاني في المساعدة على التوصّل إلى اتفاق.
وبدوره، أعرب وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، خلال مشاركته في اجتماع لحلف «الناتو» في السويد، عن اعتقاده بأن «هناك تقدماً بشأن إيران، لكن لم نقترب من النهاية بعد»، مضيفاً «أننا نعمل للتوصل إلى اتفاق مع إيران من أجل تخلّيها عن البرنامج النووي وفتح مضيق هرمز». واعتبر أن «محاولة إيران فرض رسوم على المرور في المضيق ابتزاز لن تقبله أيّ دولة».
ويمضي مسار الحوار بوتيرة بطيئة للغاية، في وقت لا تزال فيه التوترات قائمة بين الطرفَين، لا سيما في البحر، وتحديداً في مضيق هرمز. ومع استمرار حشد القوات وجاهزيتها لدى الجانبين، لا يزال احتمال عودتهما إلى حرب شاملة يُقيّم كأحد الخيارات المرجّحة بقوة، خصوصاً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي يفضّل خيار الحرب، اكتسب نفوذاً كبيراً في علاقته مع الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وذلك عبر اتصالات هاتفية متكرّرة وشبه يومية، يعمل صهر ترامب، جاريد كوشنر، في غضونها كوسيط دائم بينهما.
ووفقاً لتقييم استخباراتي إيراني اطّلعت عليه «الأخبار»، حدّد نتنياهو خطوطه الحمراء في أيّ اتفاق محتمل مع إيران، وهي: خروج كامل للمواد المخصّبة من البلاد، واستثناء إسرائيل من أي تعهّدات، ومنع أيّ انفراجة اقتصادية لإيران. ورغم أن ترامب لا يملك سيناريو مرضياً لخوض مواجهة عسكرية مع إيران، فهو قد لا يتمكّن في نهاية المطاف من مقاومة ضغوط نتنياهو. ويخلص التقييم إلى أنه في حال لم تقدّم الولايات المتحدة تنازلات في القضايا الجوهرية - بما في ذلك قبول عدم التفاوض على تفاصيل الملف النووي في المرحلة الراهنة، والاعتراف بالسيادة الإيرانية في مضيق هرمز، ووقف إطلاق النار في لبنان - فإن المفاوضات لن تحرز أي تقدّم.
ومما يعزّز التقييم الاستخباراتي الإيراني أن وكالة «أسوشيتد برس» نقلت عن مسؤول أميركي رفض الكشف عن اسمه، أن ترامب ونتنياهو أجريا مكالمة هاتفية «دراماتيكية»، الثلاثاء الماضي، بشأن وضع المفاوضات الإيرانية، وأن إسرائيل غاضبة من جهود الرئيس الأميركي لإبرام اتفاق مع إيران. وتعدّ هذه التصريحات من أولى المؤشرات العلنية على وجود تباعد في المواقف بين ترامب ونتنياهو منذ اتخاذهما قرار الحرب على إيران.
في هذا الوقت، وفي تطورٍ لافت، برزت مؤشرات على «ليونة» إيرانية في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز؛ إذ عملت طهران، في إطار ما تصفه بـ«النظام الجديد للمرور» الذي تسعى إلى تثبيته، على تسهيل عبور السفن والناقلات. وأعلنت القوات البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري الإيراني»، أمس، في بيان، عبور 35 سفينة، من بينها ناقلات نفط وسفن حاويات وسفن تجارية أخرى خلال 24 ساعة، وذلك بعد «الحصول على تراخيص أو التنسيق وتأمين الحماية من قبل بحرية الحرس الثوري». وتأتي هذه التطورات في وقت لم يتجاوز فيه عدد السفن العابرة يومياً خلال الأسابیع الأخیرة 10 سفن. ويبدو أن تلك الانفراجة جاءت في أعقاب المشاورات والاتصالات التي جرت بين إيران والصين، التي كثّفت جهودها لخفض التوترات في المنطقة، في إطار «مبادرة النقاط الأربع للسلام والأمن الإقليمي».