قائمة الموقع

القرصنة الصهيونية لأسطول الحرية… وسقوط هيبة القانون الدولي

2026-05-19T13:05:00+03:00
يوسف أبو سامر موسى*

تكشف جريمة القرصنة الصهيونية بحق “أسطول الحرية” مرة جديدة حقيقة العقلية التي تحكم الكيان "الإسرائيلي"، القائمة على الغطرسة والتفلت من كل القوانين والمواثيق الدولية، والتصرف وكأن هذا الكيان فوق الأمم المتحدة وفوق القانون الدولي، مستندًا إلى دعم أمريكي مفتوح وحماية سياسية تمنحه القدرة على ممارسة العدوان دون أي محاسبة أو عقاب.

فالسفن التي كانت تحمل ناشطين ومتضامنين من أكثر من مئة جنسية قدموا من خمس قارات، بينهم عرب وأجانب، لم تكن تحمل سلاحًا أو تهديدًا عسكريًا، بل كانت تحمل رسالة إنسانية وأخلاقية لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة، هذا الحصار الذي تحول بحد ذاته إلى جريمة موصوفة بحق أكثر من مليوني إنسان يعيشون تحت الحصار والتجويع والاستهداف اليومي، منذ أكثر من 18 عاما.

إن اعتراض السفن في المياه الدولية، واحتجاز المتضامنين والاعتداء عليهم، يشكل انتهاكًا واضحًا لقانون البحار وحرية الملاحة، ويؤكد أن الاحتلال يعتمد سياسة القرصنة والبلطجة الدولية لفرض إرادته بالقوة العسكرية، في ظل صمت دولي مريب وعجز واضح للمؤسسات الدولية عن فرض الحد الأدنى من احترام القانون الدولي.

وما يجري اليوم لا يمكن فصله عن النهج الأمريكي القائم على فرض الهيمنة بالقوة، حيث تتجلى سياسات الترهيب والحصار والضغوط الاقتصادية والعسكرية في أكثر من ساحة، من فلسطين إلى إيران واليمن، الى فنزويلا وكوبا، وكأن العالم بات محكومًا بمنطق القوة بدل العدالة والحقوق. وما نراه من مشاهد وخطابات للرئيس الأميركي ترامب  عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، يعكس ذهنية تقوم على استعراض القوة والتهديد ومحاولة إخضاع العالم لإرادة واشنطن وحلفائها.

وفي المقابل، تأتي هذه القرصنة في توقيت يعكس حجم الأزمة التي يعيشها رئيس حكومة الاحتلال نتنياهو ، الذي يحاول الهروب من أزماته الداخلية والسياسية عبر استمرار الحروب وتوسيع دائرة العدوان، ظنًا منه أن الدماء والحصار والقتل قادرة على إعادة ترميم صورة الردع الإسرائيلية التي بدأت تتآكل بشكل غير مسبوق.

فالاحتلال الذي عجز عن كسر إرادة غزة رغم المجازر والحصار، وواجه معضلة حقيقية أمام صمود المقاومة في لبنان، وفشل في تحقيق الحسم عبر التكنولوجيا العسكرية والطائرات المسيّرة، يجد نفسه اليوم أمام واقع جديد تتراجع فيه هيبته العسكرية والسياسية، بينما ترتفع أصوات داخل الكيان نفسه محملة نتنياهو مسؤولية إدخال “إسرائيل” في حالة استنزاف استراتيجي غير مسبوقة.

كما أن معادلة اليمن وصمود مجاهدي انصار الله أمام الضغوط والاعتداءات الأمريكية والإسرائيلية، كشفت حدود القوة الغربية وعجزها عن فرض السيطرة الكاملة على الممرات البحرية والإقليم بأكمله، ما يؤكد أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة تتراجع فيها قدرة واشنطن وحلفائها على فرض معادلاتهم القديمة.

السؤال المطروح اليوم بقوة: أين المجتمع الدولي من هذه القرصنة؟ وأين مواقف الدول التي ينتمي إليها الناشطون الذين تعرضوا للاعتقال والاحتجاز؟ وهل ستبقى الإدانات الشكلية هي سقف الرد الرسمي، أم أن بعض الدول، وفي مقدمتها تركيا، ستتخذ خطوات سياسية وقانونية حقيقية دفاعًا عن مواطنيها وعن حرية الملاحة الدولية؟

كما يبرز السؤال الأكبر حول دور الامم المتحدة ومؤسسات العدالة الدولية، وإلى متى سيبقى الصمت سيد الموقف أمام هذا الانتهاك الفاضح للقانون الدولي، في وقت تتزايد فيه الاتهامات والمطالبات بمحاسبة قادة الاحتلال على جرائم الحرب والإبادة الجماعية المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.

إن استمرار هذا الصمت الدولي لا يعني فقط التخلي عن الشعب الفلسطيني، بل يمثل سقوطًا أخلاقيًا وسياسيًا لمنظومة القانون الدولي بأكملها، ويمنح الاحتلال ضوءًا أخضر لمواصلة العدوان والقرصنة وارتكاب الجرائم بحق الشعوب دون خوف من العقاب أو المحاسبة.

* باحث وكاتب سياسي/فلسطين

الثلاثاء 19 ايار 2026

اخبار ذات صلة